ستدخل المملكة المتحدة مرحلة سياسية جديدة يوم الإثنين مع قدوم آندي بورنهام Andy Burnham لرئاسة الوزراء، بعد استقالة السير كير ستارمر Keir Starmer. وكحال كل الحكومات، تترقب الأوساط السياسية والاجتماعية البريطانية التغييرات التي سيحملها لهم بورنهام، خصوصاً في الملفات التي عليها جدل كبير مثل الهجرة والاقتصاد.
بالرغم من أنه لم يعلن حتى الآن عن برنامجه الحكومي المفصل، لكن في خطابه الأخير في مانشستر، أدلى بتصريحات أوضحت مواقفه السياسية، خصوصاً وأن بعض هذه المواقف كان معروفاً في السابق، وعاد وأكده في هذه المرحلة.
وبما أن التغييرات الوزارية تأتي تلقائياً مع تغيير رئيس الوزراء، فإنه من المتوقع أن تستلم شابانا محمود Shabana Mahmood وزارة الخزانة بدلاً من راشيل ريفز Rachel Reeves. بينما يبرز اسم وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ Wes Streeting لتولي وزارة الداخلية، وهو أحد أبرز الداعمين لبورنهام ويُعرف باهتمامه بملفي الأمن والهجرة.
غير أن التغيير في الأشخاص لا يعني بالضرورة أن التحديات ستختفي، بل إن الحكومة الجديدة سترث ملفات معقدة تحتاج إلى قرارات صعبة منذ اليوم الأول.
اقتصاد صعب… وضرائب قد تكون الخيار الأقرب
إذا كان هناك ملف سيحدد نجاح حكومة بورنهام أو فشلها، فهو الاقتصاد. فالحكومة الجديدة ستبدأ عملها في وقت لا تزال فيه بريطانيا تعاني من تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع حجم الدين العام، وزيادة الاقتراض، إلى جانب ارتفاع تكلفة خدمة هذا الدين. وهذه ليست مشكلات جديدة، لكنها ازدادت تعقيداً مع استمرار الحرب الإيرانية الأمريكية.
فبورنهام يؤكد أنه لا يريد المجازفة بالمالية العامة، لكنه في الوقت نفسه يؤمن بأن الدولة يجب أن تستثمر أكثر في الخدمات العامة والإسكان والنقل. وهنا يظهر السؤال الصعب: من أين ستأتي الأموال؟
يرى كثير من المراقبين أن زيادة الضرائب أصبحت الاحتمال المتوقع، ليس لأن الحكومة ترغب في فرض ضرائب جديدة، وإنما لأن الخيارات الأخرى أصبحت محدودة. ولذلك فإن الأنظار تتجه إلى وزارة الخزانة لمعرفة شكل السياسة الضريبية الجديدة، خصوصاً مع احتمال تعيين شابانا محمود وزيرة للخزانة.
لكن القضية لا تتعلق فقط برفع الضرائب، بل بطريقة استخدامها أيضاً. فبورنهام يتحدث عن إصلاحات ضريبية قد تجعل النظام أكثر عدالة، خاصة فيما يتعلق بالضرائب العقارية، كما يؤمن بأن منح السلطات المحلية صلاحيات أكبر قد يسمح بإعادة تنظيم بعض جوانب النظام الضريبي بما يخدم احتياجات كل منطقة.
ولذلك لن سيكون السؤال بالنسبة للشركات والمستثمرين فقط عن ارتفاع الضرائب، بل متى وكم ستكون الزيادة؟ لأن الإجابة عن هذه الأسئلة ستؤثر مباشرة في قرارات الاستثمار والنمو خلال السنوات المقبلة.
خدمات عامة أقوى… لكن مع استمرار دور القطاع الخاص
من أكثر الأفكار التي يكررها آندي بورنهام أن الدولة يجب أن يكون لها دور أكبر في إدارة الخدمات الأساسية، لكنه لا يقصد بذلك إبعاد القطاع الخاص بالكامل. فهو يستشهد دائماً بتجربة الحافلات في مانشستر الكبرى، حيث تتولى السلطات العامة التخطيط والإشراف على الشبكة، بينما تقوم شركات خاصة بتشغيل الخدمات وفق عقود واضحة تخضع لرقابة الحكومة المحلية.
ويرى بورنهام أن هذا النموذج يمكن تطبيقه في قطاعات أخرى مثل النقل والإسكان والمياه وبعض خدمات الطاقة، بحيث تكون الحكومة مسؤولة عن التخطيط وضمان جودة الخدمة، بينما يستمر القطاع الخاص في التنفيذ.
وفي ملف الطاقة بالتحديد، لا يتوقع حدوث تغيير جذري. فبورنهام يدعم استمرار خطة الوصول إلى الحياد الكربوني، كما يرفض فكرة التأميم الكامل لشركات الطاقة، وأشار في العديد من اللقاءات أن الاستثمار الخاص سيبقى عنصراً أساسياً، خصوصاً في مشروعات الطاقة النووية وطاقة الرياح البحرية.
كما يعتقد أن العقود الحكومية يجب ألا تعتمد فقط على اختيار العرض الأرخص، وإنما على مدى مساهمة الشركات في دعم الاقتصاد البريطاني وخلق فرص العمل. ولذلك يتحدث باستمرار عن إعطاء الشركات البريطانية فرصة أكبر للفوز بالمشروعات الحكومية، مع التركيز على ما يسمى “القيمة الاجتماعية” إلى جانب السعر.
الإسكان وسوق العمل… وعود كبيرة تحتاج إلى تنفيذ
لا يكاد يخلو أي حديث لبورنهام من الإشارة إلى أزمة الإسكان، التي يعتبرها واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه بريطانيا. لذلك يتحدث عن إطلاق أكبر برنامج لبناء مساكن المجالس المحلية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مع الاستفادة من الأراضي العامة غير المستغلة لتقليل تكاليف البناء.
كما يدعو إلى بناء نصف مليون منزل جديد مخصص للإسكان الاجتماعي خلال ثماني سنوات، من خلال برنامج تمويل يعتمد على سندات خاصة بالإسكان، وليس على زيادة الاقتراض الحكومي المباشر. وإذا نجحت هذه الخطة، فقد تسهم في تخفيف أزمة السكن التي يعاني منها كثير من البريطانيين.
أما في سوق العمل، فمن غير المتوقع أن تتراجع الحكومة الجديدة عن الإصلاحات التي بدأها حزب العمال. بل يبدو أن بورنهام يؤيد فكرة تحسين حقوق العاملين وتوفير بيئة عمل أفضل، انطلاقًا من قناعته بأن الموظف الذي يشعر بالأمان والاستقرار يكون أكثر إنتاجية، وهو ما يعود بالنفع على أصحاب العمل والاقتصاد في الوقت نفسه.
الهجرة والعلاقة مع أوروبا… البحث عن التوازن
ربما يكون ملف الهجرة هو الأكثر حساسية بالنسبة للحكومة الجديدة. فبورنهام يقول بوضوح إنه يريد خفض صافي الهجرة، لكنه في الوقت نفسه لا يريد الإضرار بالأشخاص الذين انتقلوا إلى المملكة المتحدة وفق القوانين التي كانت سارية عند وصولهم.
ولهذا يبرز داخل حزب العمال مقترح يعرف باسم “التسوية المكتسبة Earned Settlement”، ويهدف إلى منح المقيمين الحاليين فرصة الحصول على الإقامة الدائمة بعد خمس سنوات كما هو معمول به الآن، بدلاً من تطبيق المقترح السابق الذي يرفع المدة إلى عشر سنوات بأثر رجعي.
بينما قد يخضع بعض هؤلاء المقيمين لفترة انتقالية قبل حصولهم على بعض المزايا الحكومية، في محاولة لتحقيق توازن بين تشديد سياسة الهجرة والحفاظ على الثقة بالقوانين التي انتقل الناس على أساسها إلى بريطانيا.
أما فيما يتعلق بأوروبا، فلا يبدو أن بورنهام يسعى لإعادة الجدل حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فهو يكرر أنه يتمنى عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي في المستقبل، لكنه لا يرى أن الوقت مناسب لإجراء استفتاء جديد، ويفضل بدلاً من ذلك بناء علاقة أوثق مع الدول الأوروبية وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري.
في النهاية، التحدي الحقيقي أمام الحكومة الجديدة برئاسة آندي بورنهام هي القدرة على حل الملفات الحساسة والشائكة، خصوصاً في ظل غلاء الأسعار، وانخفاض مستوى الرفاهية. أما بالنسبة للجالية العربية ستكون ملفات الهجرة هي الأهم لديهم في ظل التغييرات الحالية.
اقرأ أيضاً: ماذا يعني مشروع القانون الجديد لتشديد اللجوء والهجرة؟