بقلم: عروة درويش
ثمّة لحظة في مسار أي نظام فكري يتحول فيها من منطق التفسير إلى منطق التبرير. هذا تماماً ما حدث مع النيوليبرالية في الاقتصاد الغربي، ومع القلم المأجور لصالح نخب المال: مارتن وولف، الذي كتب في «فايننشال تايمز FT» داعياً حكومة حزب العمال إلى «تحقيق النمو بأي ثمن»، وطلب من وزيرة الخزانة ريتشل ريفز أن تحقق هذا النمو «بأيّ ثمن». هذه هي اللحظة التي يصبح فيها الدفاع عن النظام القائم فعلاً لا عقلانياً، تُعيد إنتاج أخطاء القرن الماضي: عبادة النمو لأجل النمو!
يدعو وولف حكومة حزب العمال والمسؤولين إلى «تحقيق النمو بأي ثمن»، لأنّ الديمقراطية، برأيه، لا يمكن أن تبقى من دونه. لكنني أجد هذا المنطق مضللاً وقاسياً وخطيراً.
كيف يمكن أن نحافظ على الديمقراطية ونحن نطالب الناس بالتضحية باستقرارهم وحقوقهم مقابل أرقامٍ في جداول الإحصاء؟
أيّ ديمقراطية هذه التي تُبنى على الخوف من البطالة، وعلى تراجع الرعاية الصحية، وعلى حياةٍ بلا أمانٍ سكني أو اجتماعي؟
عبادة رقمٍ بلا روح
عاش العالم بعد الحرب العالمية الثانية فترةً من النمو غير المسبوق، لكنّ ذلك الازدهار لم يكن نتاج عبقرية السوق كما يحاول وولف أن يروّج، بل نتيجة ظروفٍ استثنائية: وفرة الوقود الأحفوري، واستغلال الطبيعة بلا حساب، واستخلاص فوائض القيمة الهائلة من دول الجنوب العالمي. ذلك النمو كان وهماً، أو بالأحرى «انفجاراً مؤقتاً» لا يمكن تكراره في القرن الحادي والعشرين.
الوقود لم يعد رخيصاً، والكوكب لم يعد صامتاً، والاحتباس الحراري يفرض علينا حدوداً واضحة. لذلك، حين يدعو وولف إلى «النمو بأي ثمن»، فهو يتجاهل معادلة بسيطة: لا يمكن أن يكون هناك نمو لا نهائي على كوكبٍ محدود. هذه ليست فلسفة بيئية، بل رياضيات واضحة.
الاقتصاد الذي يطلب من الناس أن يتألموا
ما يثير قلقي أكثر من أفكار وولف هو الطريقة التي يبرّر بها «المرونة الاقتصادية». يقول إنّ على الناس أن يكونوا مستعدّين للتأقلم، أي ببساطة: أن يفقدوا وظائفهم متى اقتضت أرباح الشركات ذلك.
يسمّي هذا «إصلاحاً» بينما هو في الواقع وصفةٌ للفوضى الاجتماعية.
حين يُطلب من العامل أن يقبل الخوف كجزءٍ من عمله، ومن العائلة أن تعيش على حافة القلق، فإنّنا لا نبني اقتصاداً حديثاً، بل نُعيد إنتاج القرن التاسع عشر بلغة القرن الحادي والعشرين.
من السهل على أصحاب الثروات أن يتحدّثوا عن «مرونة السوق»، لأنّهم يملكون الوسادة التي تحميهم من السقوط. أما الأغلبية، فليس لديها سوى الأمل الهشّ في الغد.
الدولة ليست ربّ أسرة
من أكثر الأساطير رسوخاً في الفكر النيوليبرالي فكرة أنّ الدولة يجب أن تنفق فقط ما تجمعه من ضرائب، كما لو كانت ربّ أسرةٍ يعيش على راتبه الشهري.
لكنّ الحقيقة، كما بيّنها اقتصاديون مثل ريتشارد مورفي، أنّ الدولة التي تصدر عملتها لا يمكن أن تفلس. إنّها خالقة النقود لا مستهلكتها. وما يقيّدها ليس المال بل الإرادة السياسية.
الإنفاق العام ليس عبئاً على الاقتصاد، بل هو محرّكه الحقيقي. فحين تموّل الدولة التعليم والصحة والإسكان، فهي لا «تنفق» بل «تستثمر» في استقرار المجتمع وفي إنتاجية الإنسان.
الثروة الحقيقية ليست في الأرقام التي تتغيّر على شاشات الأسواق والبورصات، بل في البشر الذين يملكون القدرة على العيش بكرامةٍ والمشاركة في الحياة العامة.
من اقتصاد النمو إلى اقتصاد الرعاية
أنا لا أرفض النمو في ذاته، بل أرفض أن يتحوّل إلى غايةٍ بحد ذاته. ما نحتاجه اليوم ليس اقتصاداً يقيس النجاح بحجم الاستهلاك، بل بسياسةٍ تجعل رفاه الناس هو المؤشر الأول.
ما يسميه مورفي «اقتصاد الرعاية» هو بالضبط ما نفتقده: نموذجٌ يضع الإنسان في المركز بدلاً من الأرباح.
في هذا الاقتصاد، النجاح يعني مساكن آمنة، وخدمة صحية فعّالة، وتعليماً حقيقياً، وبيئة نظيفة، وأماناً وظيفياً. هذه هي شروط الديمقراطية، لا نسب النمو ولا مؤشرات البورصة.
الديمقراطية الحقيقية تزدهر حين يشعر المواطن أنّه لن يُترك وحيداً إذا تعرّض للأزمة، لا حين يُقال له: «كن مرناً وتحمل».
إعادة الأرقام إلى مكانها
آن الأوان أن نكفّ عن عبادة الأرقام. حين يصبح الناتج المحلي الإجمالي مقياساً وحيداً للحياة الجيدة، فإنّنا نفقد إنسانيتنا.
الاقتصاد يجب أن يخدم الناس، لا أن يُطالَب الناس بخدمة الاقتصاد.
كما قال مورفي، وهو على حق: «الذين يعبدون النمو يضحّون بالبشر من أجل الأرقام. أما نحن فعلينا أن نعيد الأرقام إلى خدمة البشر».
هذه الجملة تختصر كلّ ما أريد قوله: لا يمكن بناء ديمقراطيةٍ على الخوف، ولا يمكن الدفاع عن المستقبل عبر استنزاف الإنسان والكوكب.
ربما يكون مارتن وولف قد نسي ذلك، لكنّ الحقيقة بسيطة: من دون رعايةٍ لا اقتصاد، ومن دون إنسانٍ لا ديمقراطية.
اقرأ أيضاً: لا تتعجب.. للجبن علاقة بالسياسة أيضاً!