أزمة الإسكان الاجتماعي في بريطانيا: لماذا تعثّرت الوعود الكبيرة؟
تابعونا على:

المعيشة

يحكى أنها «بعيدة المنال».. ما حال مشاريع البناء الجديدة في بريطانيا؟!

نشر

في

664 مشاهدة

يحكى أنها «بعيدة المنال».. ما حال مشاريع البناء الجديدة في بريطانيا؟!

وعدٌ ببناء مدنٍ جديدة وأحياءٍ نابضة يعيد الناس إلى قلب الحلم البريطاني؛ هكذا بدا المشهد حين رُفع سقف التطلعات إلى “قفزة تاريخية” في المعروض السكني. لكن على الأرض، حيث تتقاطع الرسومات مع الخرسانة، بدا أن الآلات الثقيلة تتحرك أبطأ مما توقّع الجميع. بين التزامات حكومية بزيادة البناء، وواقع إداري وتمويلي معقّد، اتسعت الفجوة بين الطموح والنتيجة. هنا تتبدّى “أزمة الإسكان الاجتماعي في بريطانيا” كاختبارٍ لقدرة الدولة على تحويل السياسات إلى منازل تُغلق باب الهشاشة عن ملايين الأسر.

أزمة الإسكان الاجتماعي في بريطانيا: من الطموح إلى اختبار التنفيذ

مع بداية الدورة البرلمانية، التزمت الحكومة ببناء 1.5 مليون منزل خلال خمس سنوات، مع “دفعة هي الأكبر لجيل كامل” في الإسكان الاجتماعي؛ تعهّد ارتكز إلى إلزام المجالس المحلية بأهداف بناء واضحة وتسريع منظومة التخطيط. غير أنّ إشارات التعثّر برزت سريعاً: تقارير صحفية حديثة حذّرت من أنّ تراجع وتيرة الإنشاءات يجعل بلوغ الهدف صعباً، ما يضع البرنامج أمام مراجعة صريحة لأدوات التنفيذ وتوقيتاته.

أرقامٌ تكشف الواقع خلف العناوين

الأزمة ليست انطباعاً عابراً؛ قوائم الانتظار على السكن الاجتماعي تجاوزت 1.3 مليون أسرة، فيما كشفت تحليلات مشتركة لجهات خيرية عن مناطق قد يمتد فيها الانتظار أكثر من مئة عام للحصول على منزل عائلي مناسب. هذه الوقائع تتقاطع مع ضغطٍ متزايد على الإيجارات المؤقتة وارتفاع معدلات الاكتظاظ، ما يجعل الإسكان الاجتماعي صمّام الأمان الوحيد لآلاف العائلات.

وفي حين سجّل الربع الأول من 2025 ارتفاعاً في “تسجيلات” المنازل الجديدة لدى جهات الضمان الفني، فإنّ هذه الإشارة الإيجابية لم تُترجم إلى قفزة مقابلة في التسليمات الفعلية، كما أنّ قطاع “الإيجاري والميسور” ظلّ متقلب الأداء. الأرقام الرسمية الأحدث تقدّر 196.5 ألف مسكن صافٍ مُضاف في إنجلترا خلال عام 2024/2025، وقرابة 89.1 ألف مسكن منذ إبريل وحتى منتصف سبتمبر 2025؛ أرقامٌ مهمة لكنها لا تكفي وحدها لسد فجوة سنوات من النقص، ولا لردم هوّة الطلب الكاسح على المساكن الاجتماعية.

سدّ الثغرات: التخطيط، الأرض، والمال

جزء معتبر من الاختناق يحدث داخل منظومة التخطيط: إجراءات متشابكة، ومخزون أراضٍ محجوزة لا تتحرك بالسرعة المطلوبة، وقيود قديمة على “الحزام الأخضر”. لذلك اتجهت الحكومة إلى تعريف “الحزام الرمادي” بوصفه أجزاءً محدودة الجدوى من الحزام الأخضر يمكن توجيهها للتنمية بشروط بيئية صارمة، مع تعديل إطار السياسة التخطيطية الوطنية لتحديث المعايير وتسريع اللجان المحلية. الإصلاح هنا ليس تفريطاً بالبيئة، بل محاولة لتحقيق توازن عملي بين حماية المساحات الخضراء وحق السكان في مسكن لائق بأسعار عادلة.

لكن الأرض وحدها لا تبني بيوتاً. التمويل طويل الأجل هو العصب الذي يضمن استمرار المشاريع خلال دورات الفائدة وتقلبات السوق. يتطلب ذلك نماذج شراكة أوضح بين الدولة والقطاع الثالث والمطورين، وأدوات تمويل منخفضة الكلفة لمشاريع “الإيجار الاجتماعي”، وتوسيع صلاحيات البلديات للاقتراض المضمون مقابل التدفقات الإيجارية المستقبلية. هنا تبرز فرصة لدفع تقنيات البناء الحديث (MMC) لتقليص زمن التنفيذ، بشرط ربطها بمواصفات كفاءة الطاقة لتخفيض فواتير الأسر وتقليل انبعاثات التدفئة؛ فكل تحسين صغير في الكلفة التشغيلية يضاعف أثر السكن الاجتماعي على العدالة المعيشية.

ماذا نفعل الآن؟ خارطة طريق قصيرة بواقعية عالية

أولاً، تثبيت مسارٍ منفصل سريع للإسكان الاجتماعي داخل منظومة التخطيط، بمعايير واضحة ومواعيد فاصلة ملزمة، بحيث تُعامل هذه المشاريع كبنية تحتية اجتماعية لا كمشروعات عقارية عادية. ثانياً، تخصيص حصة سنوية صريحة وقابلة للقياس – لا تقل عن عشرات الآلاف – للإيجار الاجتماعي ضمن الهدف الكلي للبناء، بما ينسجم مع تقديرات القطاع التي ترى الحاجة إلى 90 ألف منزل إيجار اجتماعي سنوياً لعقدٍ كامل لتصفير معظم قوائم الانتظار.

ثالثاً، بناء تحالف تمويلي يجمع صناديق التقاعد والمؤسسات التنموية مع البلديات وهيئات الإسكان لتأمين رأسمال صبور يضمن الاستمرارية. رابعاً، تحفيز إعادة الاستخدام الذكي للمباني الحكومية والأراضي البُنيوية القريبة من النقل العام، بحيث يصبح كل مشروع إسكان اجتماعي مشروعاً حضرياً مكتملاً بالخدمات، لا مجرد مجمع سكني على الهامش.

من شعار إلى منهج

لا تُحلّ أزمة الإسكان الاجتماعي في بريطانيا بقرارٍ واحد ولا بعنوانٍ جذاب. الطريق الأقصر يبدأ بالاعتراف بأنّ وفرة الوعود لا تعادل وفرة البيوت، وأنّ كل تأخير يراكم كلفة اجتماعية واقتصادية عالية. المطلوب الآن هو تحويل الطاقة السياسية إلى آلية تنفيذ: تخطيط محسّن، أراضٍ متاحة بوضوح، تمويل طويل الأجل، ومعيار سنوي شفاف للإيجار الاجتماعي.

عندها فقط تنتقل “أزمة الإسكان الاجتماعي في بريطانيا” من خانة العجز المزمن إلى مسار التعافي الممكن، وتستعيد الدولة ثقة مواطنيها بأنّ البيت الآمن ليس امتيازاً، بل حقٌّ يمكن بناؤه.

اقرأ أيضاً: أزمة الإسكان في اسكتلندا: خوف الأرياف من العصابات يكشف ما وراء «الطوارئ» المزعومة

X