أزمة الديمقراطية في الغرب: ماذا تقول أرقام 2025؟
تابعونا على:

سياسة

أزمة الديمقراطية في الغرب: ماذا تقول أرقام 2025؟

نشر

في

550 مشاهدة

أزمة الديمقراطية في الغرب: ماذا تقول أرقام 2025؟

تبدو الديمقراطية في الدول الغربية مستقرة على السطح؛ انتخابات دورية، تداول سلمي للسلطة، وبرلمانات لا تتوقف عن النقاش. لكن وراء هذا المشهد الرسمي، يتكوّن شعور عميق بالقلق لدى المواطنين، شعور يتجاوز الملل من السياسة إلى الشك في قدرة النظام نفسه على الاستمرار كما عرفناه. هذا القلق لا يأتي من فراغ، بل تعكسه أرقام صارمة نشرتها مؤسسة إبسوس في استطلاع واسع شمل تسع دول غربية عام 2025، وتناولته بتفصيل صحيفة الغارديان البريطانية.

النتائج ليست مجرد أرقام عابرة؛ بل جرس إنذار واضح يخبرنا أن نموذج الديمقراطية الليبرالية، كما استقر بعد الحرب العالمية الثانية، يمر بمنعطف صعب. فالغالبية في معظم هذه البلدان لا تشعر بالرضا عن كيفية عمل الديمقراطية، وتخشى على مستقبلها القريب. ومع ذلك، يظل الإيمان بالمبدأ الديمقراطي قوياً، في مفارقة لافتة تستحق التوقف والتأمل.

أزمة الديمقراطية في الغرب

تكشف بيانات استطلاع «حالة الديمقراطية 2025» أن أزمة الديمقراطية في الغرب ليست شعاراً إعلامياً، بل وصفاً دقيقاً لحالة متكررة عبر عدة دول. في ثماني دول من أصل تسع، تقل نسبة الراضين عن أداء الديمقراطية عن 50%، ولا تتجاوز في دول مثل فرنسا، الولايات المتحدة، إيطاليا، إسبانيا والمملكة المتحدة ربع السكان تقريباً، بينما تشكّل السويد الاستثناء الوحيد حيث ما زالت الأغلبية راضية عن طريقة عمل النظام الديمقراطي.

الأخطر من مستوى الرضا الحالي هو النظرة إلى المستقبل القريب. في معظم الدول التي شملها الاستطلاع – من فرنسا وإسبانيا إلى كرواتيا والولايات المتحدة – تقول أغلبية واضحة إنها قلقة من وضع الديمقراطية خلال السنوات الخمس القادمة، في حين تظهر السويد مجدداً كحالة أقل توتراً نسبياً.

وهذا الشعور العام بأن الأمور «تسير في الاتجاه الخطأ» هو جوهر أزمة الديمقراطية في الغرب اليوم.

ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يبدو أن المواطنين يرفضون الديمقراطية كمبدأ. على العكس، تؤكد أغلبية واسعة في معظم البلدان أن الديمقراطية «ضرورية للمجتمع» و«يجب الدفاع عنها». فقط في كرواتيا يميل نصف المستطلعين تقريباً إلى ربط قيمة الديمقراطية بقدرتها على توفير جودة حياة جيدة، وكأن النظام السياسي يتحول في أذهان البعض إلى خدمة مشروطة بالأداء لا قيمة مبدئية في ذاته.

ثقة متآكلة ومفارقة لافتة

أحد ملامح أزمة الديمقراطية في الغرب يتمثل في فجوة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم، فقلة قليلة تشعر أن الحكومات الوطنية تمثلها فعلاً أو تعبر عن مصالحها، بينما يحصل مستوى الحكم المحلي – البلديات والمجالس المحلية – على تقييم أفضل نسبياً، لا سيما في دول مثل فرنسا وهولندا حيث يشعر جزء كبير من الناس بأنهم ممثلون بشكل أفضل محلياً من تمثيلهم وطنياً.

يعكس هذا التفاوت شعوراً منتشراً بأن «النظام منحاز للأقوياء»، وأن القرار السياسي يصنع في دوائر مغلقة أقرب إلى النخب الاقتصادية والإعلامية منها إلى الناخبين. وفي الوقت نفسه، يُظهر الاستطلاع أن كثيرين ما زالوا يؤمنون بأن التصويت يمكن أن يحدث فرقاً، حتى وإن كانوا أقل اقتناعاً بأن الانخراط الشخصي في السياسة اليومية قادر على تغيير الأمور.

وهذا المزيج من الأمل المحدود والشك العميق يضع الديمقراطيات الغربية أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تجديد الثقة دون وعود مبالغ فيها أو شعارات فارغة؟

تهديدات جديدة وقديمة معاً

حين سئل المشاركون عن أكبر التهديدات التي تواجه الديمقراطية، جاءت ثلاث كلمات في المقدمة: الأخبار المضللة، الفساد، وانعدام المحاسبة. في دول شمال أوروبا وفرنسا والمملكة المتحدة، تُعتبر «الأخبار الكاذبة» وانتشار المعلومات المضللة الخطر الأول على النظام الديمقراطي، في ظل دور متصاعد لمنصات التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها في تشكيل الرأي العام.

أما في الولايات المتحدة وبعض دول جنوب أوروبا مثل إسبانيا وكرواتيا، فيأتي الفساد في صدارة المخاوف، إلى جانب التفاوت الاقتصادي.

هناك أيضاً مخاوف من صعود الأحزاب المتطرفة، واستغلال الشعور بالظلم الاقتصادي أو الثقافي لتغذية خطاب تقسيمي يشكك في قيمة المؤسسات نفسها. هذه التهديدات ليست جديدة تماماً، لكنها اليوم مضروبة بعامل تسريع رقمي وإعلامي يجعلها أكثر تأثيراً وانتشاراً، ويضاعف من عمق أزمة الديمقراطية في الغرب إذا لم تتم مواجهتها بسياسات واضحة ومقنعة.

كيف نواجه أزمة الديمقراطية

الخبر الجيد أن الاستطلاع لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يلمّح أيضاً إلى مداخل للحل كما يراها المواطنون أنفسهم. من بين المقترحات التي حازت أعلى تأييد: تشديد قوانين مكافحة الفساد وتطبيقها بصرامة، تعزيز استقلال القضاء، تقوية الرقابة على شبكات التواصل للحد من الأخبار المضللة، وتحسين التربية المدنية في المدارس حتى يفهم الجيل الجديد كيف يعمل النظام الديمقراطي وما حقوقه وواجباته داخله.

إلى جانب هذه المقترحات، يمكن إضافة مسار آخر لا يقل أهمية: توسيع قنوات المشاركة السياسية خارج يوم الاقتراع. تجارب المجالس المواطِنة، والاستشارات العامة عبر المنصات الرقمية، والموازنات التشاركية في المدن، كلها نماذج تمنح الناس إحساساً أكثر مباشرة بالتأثير. حين يشعر المواطن أن صوته مسموع في قضايا حياته اليومية، يصبح الدفاع عن الديمقراطية أقل تجريداً وأكثر ارتباطاً بخبرته الشخصية.

كما أن معالجة الجذور الاقتصادية لأزمة الثقة – من عدم المساواة في الدخل إلى هشاشة الطبقة الوسطى – تظل شرطاً أساسياً. فالإحساس بأن «اللعبة الاقتصادية» غير عادلة يغذي الاعتقاد بأن «اللعبة السياسية» منحازة أيضاً، وهو ما يعمق أزمة الديمقراطية في الغرب ويجعل الشعارات الشعبوية أكثر جاذبية لدى شرائح واسعة.

فرصة لإعادة بناء العقد

رغم الصورة القلقة التي ترسمها أرقام 2025، يمكن النظر إلى اللحظة الراهنة بوصفها فرصة لإعادة بناء العقد بين المواطن والدولة في الديمقراطيات الغربية. فالإيمان بالمبدأ الديمقراطي ما زال موجوداً، والرغبة في «تغيير جذري» للنظام السياسي لا تعني بالضرورة هدمه، بل قد تكون دعوة إلى تحديثه، وضخ أشكال جديدة من المشاركة والشفافية والمساءلة.

في النهاية، ما تكشفه دراسة إبسوس وتغطية الغارديان هو أن الديمقراطية ليست حالة ثابتة مضمونة، بل عملية مستمرة تحتاج إلى صيانة دائمة. أزمة الديمقراطية في الغرب ليست إعلان وفاة للنظام الديمقراطي، بل تذكير قوي بأن قيم الحرية والتمثيل والمحاسبة لا تعيش من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى مؤسسات فعالة، وإعلام مسؤول، ومواطنين واعين يدافعون عنها ويطالبون بتطويرها في الوقت نفسه.

اقرأ أيضاً: زها حديد العربية التي حاربها العرب واحتضنها الغرب

X