تشهد سياسات التغذية المدرسية في بريطانيا جدلاً متصاعداً بعد تجربة ميدانية استمرت ستة أسابيع في إحدى المدارس الابتدائية في برايتون، كشفت عن فجوة واضحة بين أهداف الحكومة الصحية وواقع تقبّل الأطفال لهذه التغييرات. وبينما تسعى السلطات إلى تحسين جودة الطعام المدرسي، تكشف النتائج عن انخفاض في الإقبال، وارتفاع في التكاليف، ومخاوف من تأثيرات عكسية قد تضرب الهدف الأساسي نفسه: تغذية الأطفال بشكل أفضل بدل دفعهم بعيداً عن الوجبات المدرسية.
تجربة برايتون وانخفاض الإقبال على الطعام المدرسي
أظهرت تجربة استمرت ستة أسابيع في مدرسة ابتدائية في برايتون أن تطبيق معايير الطعام المدرسي الجديدة أدى إلى انخفاض بنسبة 15% في الإقبال على الوجبات.
وفقاً لمتعهد الطعام Consello، فإن الأطفال رفضوا التغييرات الصحية وفضلوا بدلاً من ذلك وجبات الغداء المعبأة مسبقاً. وقد كانت المشكلة الأساسية، كما تشير النتائج، هي استبعاد أطعمة مألوفة للأطفال مثل سندويشات اللحم المقدد والجبن، والحلويات المخبوزة، وبطاطس الجبن المشوية.
هذا التغيير، الذي يبدو نظرياً “صحياً”، لكنه اصطدم بواقع بسيط جداً، الأطفال لا يملكون نفس الحماس الغذائي الذي يتخيله واضعو السياسات. والأسوأ أن فحصاً عشوائياً لما يقارب 12 وجبة غداء معبأة كشف أن جميعها تقريباً تحتوي على رقائق البطاطس وقطعة شوكولاتة، ما يعني أن البديل “غير الصحي” كان أكثر جاذبية من النظام الجديد، حتى لو لم يكن أفضل غذائياً.
اقرأ أيضاً: ارتفاع تكاليف الوجبات المدرسية في بريطانيا انعكس على الحصص المقدمة للطلاب
التمويل والتكاليف وفجوة المملكة المتحدة الغذائية
تتعمق المشكلة عندما ننتقل إلى الجانب المالي، حيث ارتفعت تكلفة الوجبة الواحدة بمقدار 20 بنساً بسبب ارتفاع أسعار المكونات.
وتدعم Philippa Terry، وهي مزودة طعام تقدم خدماتها إلى 70 مدرسة ابتدائية في لندن، هذا القلق، مشيرة إلى أن المعايير الجديدة لم تعالج أصل المشكلة، والمتمثلة في فجوة التمويل. إذ تقدم الحكومة في إنجلترا حالياً 2.61 جنيه إسترليني لكل وجبة (ترتفع إلى 2.66 جنيه إسترليني في سبتمبر)، مقارنة بـ 3.40 جنيه في ويلز، و3.30 في اسكتلندا، و3.10 في أيرلندا الشمالية.
هذا التفاوت يطرح سؤالاً مباشراً: كيف يتوقع تقديم وجبات عالية الجودة بميزانية أقل من بقية المملكة المتحدة؟ وتؤكد تيري أن هذا العجز المالي قد يؤدي إلى انخفاض الإقبال، خصوصاً لدى طلاب المدارس الثانوية، مما قد يدفعهم إلى العودة لوجبات منزلية أقل توازناً، أو ببساطة إلى عدم تناول الطعام المدرسي أصلاً، وهو سيناريو لا يبدو “صحياً” مهما حاولت الحكومة تزيينه.
الانعكاسات المستقبلية، الانفاذ، وردود الخبراء
يحذر متعهد الطعام Consello وعضو منظمة School Food People من أن تشديد المعايير قد يؤدي إلى إبعاد الأطفال والأهالي عن نظام الطعام المدرسي بدل تحسينه، بينما يتوقع انهياراً اقتصادياً في القطاع، مع احتمال إغلاق ست شركات تقديم طعام بحلول يوليو بسبب عدم جدوى التشغيل.
كما يضيف الناشط السابق في التغذية المدرسية Andy Jolly أن المشكلة الأساسية ليست في القواعد بل في غياب التمويل وآليات الرقابة، مشيراً إلى أن معايير الطعام تتجاهل على نطاق واسع دون هيئة تفتيش مستقلة فعالة.
وفي المقابل، تدافع وزارة التعليم عن التجربة، موضحة أن المعايير جرى اختبارها، وأن بعض المدارس سجلت زيادة في الإقبال تصل إلى 220% بعد تحسين القوائم، بل إن مدرسة Boxdown Primary School في بورنموث، بقيادة الشيف Ross Bull، نجحت في تقديم أكثر من 300 وجبة يومياً مع زيادة كبيرة في الإقبال خلال خمس سنوات.
مع ذلك، تبقى الصورة العامة مشوشة، نظام يحاول أن يكون صحياً، سوق ينهار تحت ضغط التكلفة، وأطفال يختارون ببساطة ما يعرفونه بدل ما يُفرض عليهم باسم “الصحة”.