تواجه قيادة الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” واحدة من أكثر فتراتها توتراً خلال السنوات الأخيرة، بعدما تصاعدت الانتقادات ضد رئيسه “جياني إنفانتينو Gianni Infantino “عقب الجدل الذي أثارته خطته المتعلقة ببيع حصص من حقوق كأس العالم لمستثمرين من القطاع الخاص. وبينما اضطر “إنفانتينو” إلى التراجع عن المقترح بعد موجة اعتراضات واسعة، وجد نفسه أمام انتقادات غير مسبوقة من شخصيات سياسية ورياضية بارزة، كان آخرها رئيس الوزراء الكندي “مارك كارني Mark Carney” ونجم كرة القدم البرتغالي السابق “لويس فيغو Luís Figo”، اللذان طالبا بمراجعة طريقة إدارة المؤسسة الكروية الأكبر في العالم.
خطة مالية تثير موجة غضب في عالم كرة القدم
بدأت الأزمة عندما اقترح “جياني إنفانتينو” بيع أسهم مرتبطة بكأس العالم لمستثمرين من القطاع الخاص، وهي خطوة أثارت مخاوف واسعة النطاق بشأن الإدارة المستقبلية للرياضة الأكثر شعبية في العالم، لا سيما بالنظر إلى القيمة الرياضية والتجارية الهائلة للبطولة.
ورغم أن الفكرة طرحت كوسيلة لتعزيز موارد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وزيادة الاستثمار في اللعبة، إلا أنها قوبلت بمعارضة شديدة من أطراف محلية ودولية على حد سواء. فقد رأى المنتقدون في هذه الخطوة تهديداً لاستقلالية الرياضة، ومحاولة لتحويل أحد أبرز أصول الرياضة العالمية إلى استثمار تحركه المصالح المالية.
اضطر إنفانتينو إلى التخلي عن الخطة في ظل تزايد الانتقادات. ومع ذلك، لم تنهِ هذه الخطوة الأزمة، بل أثارت تساؤلات أوسع حول آليات اتخاذ القرار داخل “فيفا”، ومدى إشراك الاتحادات القارية ومختلف الأطراف المعنية في رسم مستقبل كرة القدم العالمية.
اقرأ أيضاً: كيف أسقط الويفا خصخصة كأس العالم؟
تدخل مارك كارني.. ماذا حدث؟
اتخذ “مارك كارني” موقفاً واضحاً إزاء الأزمة، معلناً عدم ثقته في قيادة إنفانتينو للاتحاد الدولي لكرة القدم. ويسلط هذا التدخل السياسي البارز الضوء على أبعاد الجدل التي تتجاوز الأوساط الرياضية.
ووصف كارني مقترح بيع الأسهم بأنه قرار كان من الممكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة على مستقبل الهيئة الدولية الحاكمة للعبة، مشدداً على ضرورة التخلي عنه. وتكتسب تصريحاته أهمية خاصة نظراً لعلاقته الوثيقة ب “فيكتور مونتاغلياني Victor Montagliani”، رئيس اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف)، الذي ترددت أنباء عن كونه مرشحاً محتملاً لرئاسة “فيفا” في الانتخابات المقبلة. ورغم أن مونتاغلياني لم يعلن رسمياً عن ترشحه بعد، إلا أن دعوة “كونكاكاف” لمراجعة آليات الحوكمة في “فيفا” تعكس تزايد المطالبات بتغيير أسلوب إدارة الهيئة الدولية.
لويس فيغو.. وانتقادات من داخل مجتمع كرة القدم
لم تقتصر الانتقادات على السياسيين، فقد انضم النجم البرتغالي السابق” لويس فيغو” إلى صفوف المطالبين بتنحي إنفانتينو، معتبراً أن رئيس “فيفا” الحالي فقد القدرة على قيادة المنظمة بفعالية.
وانتقد “فيغو” الذي يعتبر أحد أبرز اللاعبين في تاريخ كرة القدم البرتغالية، ما وصفه بغياب الشفافية فيما يتعلق ببعض القرارات التي اتخذتها إدارة المنظمة. لقد استشهد بالطريقة التي أديرت بها عملية بيع حقوق بث كأس العالم كمثال بارز على المشكلات التي تواجه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
يستند فيغو في آرائه إلى خبرته الإدارية السابقة، إذ سبق له الترشح لرئاسة الفيفا عام 2015 قبل أن ينسحب من السباق، كما عمل مستشاراً للاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA). ونتيجة لذلك، تعكس تعليقاته وجهة نظر شخص ملم بآليات عمل المؤسسات الرياضية الكبرى.
مستقبل إنفانتينو محل شك بعد سنوات من تربعه على رأس الهرم
تولى جياني إنفانتينو رئاسة الفيفا عام 2016 خلفاً للسويسري “سيب بلاتر Sepp Blatter”، في وقت كانت فيه المنظمة تكافح لتجاوز فضيحة فساد ضخمة شوهت صورتها العالمية. ومنذ توليه المنصب، ركز إنفانتينو على توسيع نطاق البطولات وزيادة الإيرادات التجارية، وكانت أبرز مبادراته زيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم.
ومع ذلك، لم تخلُ فترة ولايته من الجدل، إذ واجه انتقادات متكررة بشأن تعامله مع قضايا جوهرية والتداخل بين المصالح التجارية والشؤون الرياضية. ويرى المنتقدون أن الفيفا بحاجة إلى مزيد من الشفافية في اتخاذ القرارات، بينما يؤكد المؤيدون أن عهد إنفانتينو شهد توسعاً مالياً وتنظيمياً بالتزامن مع النمو العالمي للعبة.
وتأتي الأزمة الراهنة في وقت يستعد فيه الاتحاد الدولي لدورة انتخابية جديدة، مما يضع المستقبل السياسي لإنفانتينو في عالم كرة القدم تحت مجهر التدقيق المكثف. فبعد سنوات من ترسيخ نفوذه داخل المنظمة، يواجه الرئيس السويسري – الإيطالي أكبر اختبار له منذ توليه منصبه، وسط تزايد الدعوات لإصلاح شامل لآليات حوكمة اللعبة على المستوى العالمي.
وفي ظل وقوع الفيفا بين مطرقة ضغوط الاتحادات الرياضية وسندان انتقادات الشخصيات السياسية والرياضية، فإن المعركة المرتقبة تتجاوز مجرد خلاف حول مشروع استثماري. ونطرح هنا السؤال الجوهري المتعلق بهوية كرة القدم الحديثة: هل ستظل اللعبة متجذرة في الجماهير والتاريخ، أم أنها ستتحول بشكل متزايد إلى صناعة مالية ضخمة تحركها الاستثمارات والمصالح الاقتصادية؟