بينما تستعد الحكومة البريطانية للإفراج المبكر عن آلاف السجناء لتخفيف الضغط على السجون، برزت أزمة جديدة تهدد فعالية نظام العدالة الجنائية. فقد أدى نقص الموظفين إلى إغلاق العديد من المرافق السكنية الخاضعة للرقابة، والمصممة لاحتجاز أخطر السجناء بعد الإفراج عنهم. وفي حين تصف الحكومة هذه الخطوة بأنها مؤقتة وقابلة للإدارة، يحذر المفتشون والنقابات العمالية من أن هذه الأزمة قد تقلل من قدرة السلطات على مراقبة السجناء المفرج عنهم، وتؤثر سلباً على السلامة العامة.
ما الذي يجري داخل نظام الإفراج المشروط البريطاني؟
تعتمد المملكة المتحدة على شبكة من مراكز الإقامة المعروفة باسم “Approved Premises”، وهي مرافق تخضع لإدارة جهاز المراقبة والإفراج المشروط، ويقيم فيها السجناء المصنفون ضمن الفئات الأعلى خطورة بعد خروجهم من السجن، قبل انتقالهم إلى المجتمع بشكل كامل. هذه المرافق ليست مجرد أماكن للسكن، بل هي جزء حيوي من إدارة المخاطر. يخضع المقيمون فيها لمراقبة مستمرة، واختبارات للكشف عن المخدرات والكحول، وبرامج إعادة تأهيل، وقد يواجهون العودة إلى السجن في حال انتهاكهم شروط الإفراج.
مع ذلك، أكدت وزارة العدل البريطانية إغلاق تسعة من أصل 105 مراكز احتجاز بسبب نقص الموظفين، في الوقت الذي تستعد فيه البلاد لاستقبال موجة جديدة من السجناء المفرج عنهم في الأشهر المقبلة.
اقرأ أيضاً: عقوبة واحدة.. وآلام لا تنتهي: السجون النسائية تحت المجهر!
لماذا تتفاقم الأزمة الآن؟
يرى المراقبون أن الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة سلسلة من المشاكل التي بدأت منذ سنوات. وقد ساهمت عوامل عديدة في هذا النقص، منها ازدياد أعباء العمل، وصعوبة توظيف كوادر جديدة، وتأخير إجراءات التوظيف، وانتهاء عقود الشركات التي كانت توفر موظفي المناوبة الليلية.
يأتي هذا في الوقت الذي تخطط فيه الحكومة للإفراج المبكر عن آلاف السجناء لتخفيف الاكتظاظ في السجون، مما يعني أن الحاجة إلى هذه المراكز أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، في حين تم تقليص طاقتها التشغيلية بدلاً من توسيعها.
تكمن هشاشة هذه المرافق في طبيعة السجناء أنفسهم. فهي تضم أشخاصاً تصنفهم السلطات على أنهم يشكلون خطراً كبيراً على المجتمع، أو يحتاجون إلى إشراف دقيق بسبب سجلهم الجنائي أو ظروفهم النفسية والاجتماعية. حذرت هيئة تفتيش السجون في المملكة المتحدة من أن الاعتماد على أفراد أمن غير مدربين لسد النقص في بعض المرافق قد يضعف القدرة على التعامل مع حالات العنف، ومحاولات الانتحار، أو تعاطي المخدرات، وهي حالات تتطلب تدريباً متخصصاً، وليس مجرد حراس أمن. كما ترى النقابات العمالية أن استمرار إغلاق بعض المرافق قد يؤدي إلى نقص في الأماكن المتاحة للمفرج عنهم، مما قد يجبر السلطات على البحث عن خيارات إشراف أقل فعالية.
كيف ينظر البريطانيون إلى الأزمة؟
أعادت الأزمة إشعال النقاش في بريطانيا حول التوازن بين الحد من اكتظاظ السجون والحفاظ على الأمن العام. صرح أحد سكان لندن لوسائل الإعلام المحلية بأنه يتفهم حاجة الحكومة لمعالجة أزمة السجون، لكنه يعتقد أن إطلاق سراح السجناء دون إشراف كافٍ “قد يخلق مشاكل جديدة بدلاً من حل المشاكل القديمة”.
في المقابل، جادل أحد الأخصائيين الاجتماعيين بأن الأزمة تعكس نقصاً في الاستثمار في خدمات الإشراف والتأهيل، مضيفاً أن نجاح الإفراج المشروط يعتمد بشكل أكبر على وجود كوادر مؤهلة أكثر من اعتماده على القرارات القانونية وحدها. يرى أحد المراقبين لنظام العدالة أن المشكلة لا تكمن فقط في الإفراج المبكر، بل أيضاً في قدرة الحكومة على مراقبة المفرج عنهم بعد الإفراج، مؤكداً أن أي قصور في هذه المرحلة قد يؤثر على السلامة العامة.
أزمة تتجاوز السجون وتشكل مصدر قلق للمجتمع
تظهر الأزمة في مراكز إعادة التأهيل في إنجلترا وويلز أن إدارة نظام العدالة الجنائية لا تتوقف عند أبواب السجون، بل تمتد لتشمل إعادة دمج المدانين في المجتمع. يعتمد نجاح سياسات الإفراج المشروط على وجود نظام إشراف وإعادة تأهيل قادر على الحد من خطر العودة إلى الجريمة، وليس فقط على توفير أماكن سجن مجانية.
مع النقص المستمر في الموظفين، تواجه حكومة المملكة المتحدة تحدياً مزدوجاً، فمن جهة، تسعى لمعالجة تزايد عدد السجناء، ومن جهة أخرى، هي ملزمة بالحفاظ على فعالية نظام الإشراف، الذي يمثل خط الدفاع الأول بين السجين السابق والمجتمع. إن نجاح هذه المعادلة لا يزال يعتمد على قدرة السلطات على الاستثمار في الموارد البشرية، لأنها حجر الزاوية لأي نظام عدالة يسعى إلى تحقيق الأمن وإعادة التأهيل معاً.