تساهم الأوضاع المعيشية في بريطانيا بتغيير سلوكيات العائلات في الإنفاق والاستهلاك، حيث أثر التضخم، وارتفاع الأسعار في انخفاض الدخل المحدد للخروج إلى المطاعم، وهذا ما جعل تناول الطعام في الخارج خلال عطلات نهاية الأسبوع أشبه بمغامرة للكثيرين.
فعند النظر إلى أسعار الوجبات المقدمة في المطاعم نلاحظ ارتفاعها مقارنة بالسنوات السابقة، نتيجة عدة عوامل منها، الزيادة الكبيرة في تكاليف التشغيل، بمعنى آخر ارتفاع تكاليف الضرائب المتعددة، وارتفاع فواتير الطاقة، وزيادة الأجور، عدا عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية المستوردة والمحلية على حد سواء. وقد وجدت المطاعم نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما رفع الأسعار وتحمل خطر فقدان الزبائن، أو الإبقاء على الأسعار والمخاطرة بعدم القدرة على تغطية النفقات.
تشير بيانات السوق وتقارير المتابعة إلى تراجع عدد المطاعم العاملة في البلاد مقارنة بما كان عليه الوضع قبل جائحة كوفيد-19، مما يعكس حجم الضعف الذي يعاني منه قطاع المطاعم أمام الأزمات المتلاحقة. كما تظهر استطلاعات الرأي أن هناك تزايد في نسبة السكان الذين لا يتناولون الطعام في المطاعم، أو اللجوء إلى بدائل أقل تكلفة، في ظل الضغوط المالية المتزايدة.
وعند الحديث عن الأرقام يظهر تقرير من Hospitality Market Monitor أن عدد المطاعم العاملة في المملكة المتحدة انخفض بنحو الخمس بين ديسمبر 2019 (قبل جائحة كوفيد مباشرة) وديسمبر 2025، حيث انخفض من 43000 إلى 35500.
كما وجد تقرير YouGov أن الناس في بريطانيا قالوا إنهم يتناولون الطعام في المطاعم أقل مما كانوا يفعلون في السابق. ففي أكتوبر الماضي، قال 38% من أصل 2000 شخص إنهم يتناولون الطعام في الخارج بأقل مما كانوا يفعلون قبل عام. ومن بين هؤلاء قال 63% إن ارتفاع الأسعار كان السبب الرئيسي في ذلك، بينما 62% أشاروا إلى سبب ارتفاع تكلفة المعيشة.
ضغوط متزايدة على قطاع الضيافة
من ناحية أخرى يواجه أصحاب المطاعم مجموعة من التحديات التي تهدد استمرار عملهم على المدى المتوسط والطويل. إذ أن جزء كبير من الإيرادات يذهب إلى الضرائب والرسوم المختلفة، بينما يتم تخصيص النسبة المتبقية لتغطية تكاليف التشغيل الأساسية مثل الإيجارات، والطاقة، والرواتب، والصيانة. ومع استمرار ارتفاع هذه النفقات، تقل هوامش الربح إلى مستويات تجعل الاستمرار في العمل أمراً بالغ الصعوبة.
وتزداد هذه التحديات تعقيداً مع وجود عوامل محلية أخرى، مثل ضعف البنية التحتية في بعض المناطق التجارية، ومشكلات الوصول ومواقف السيارات، وتراجع جاذبية الشوارع الرئيسية، وهي عناصر تؤثر مباشرة على حركة الزبائن. كما أن المنافسة المتزايدة من خدمات التوصيل والوجبات الجاهزة منخفضة التكلفة تزيد من الضغوط على المطاعم التقليدية.
أما من ناحية المستهلكين، فلا تقتصر التغيرات في السلوك على تقليل عدد الزيارات للمطاعم فقط، بل تمتد إلى طريقة الإنفاق داخل المطعم نفسه. فقد أصبح كثيرون يختارون أطباقاً أقل، ويتجنبون الإضافات غير الأساسية مثل المقبلات، ويبحثون عن العروض والخصومات، أو يفضلون المطاعم ذات الأسعار المنخفضة. هذا التوجه وإن ساعد الأسر على ضبط ميزانياتها، إلا أنه يحد من قدرة المطاعم على تعويض ارتفاع التكاليف.
يرى خبراء الاقتصاد وقطاع الضيافة أن المطاعم تلعب لا يقتصر دورها على تقديم الطعام فقط، بل تتعداها إلى كونها عنصراً أساسياً في حيوية المدن والبلدات، وتسهم في تنشيط الشوارع التجارية، وخلق فرص عمل دائمة ومؤقتة، ودعم سلاسل التوريد المحلية. كما أنها تشكل فضاءات اجتماعية وثقافية تسهم في تعزيز التماسك المجتمعي وجاذبية المناطق الحضرية.
في النهاية، يمر قطاع المطاعم بمرحلة حساسة تحتاج إلى دعم كبير، حيث يعد استثماراً اقتصادياً واجتماعياً بالنسبة للمدن البريطانية. لذلك لا بد من إيجاد صيغة متوازنة بين حماية المستهلكين وضمان استمرار القطاع لتجنب خسارة أحد أهم مكونات المشهد الحضري والاقتصادي في البلاد.
اقرأ أيضاً: مطاعم الحلال في لندن.. تجربة طعام لا مثيل له