قد تعتقد أن البلاد الغربية بشكل عام وبريطانيا بشكل خاص، مثال على حرية التعبير عن الرأي مهما كان، وهذا الاعتقاد جزء من الواقع لكن ليس كله. ففي الحالة الطبيعية إعطاء حرية التعبير الكاملة لأي مجموعة بشرية قد تؤدي إلى الفوضى إذا ما كانت تحكمها القوانين وينظمها الدستور، وأيضاً هناك نوع من المواضيع التي تعد في أي مجتمع محظورة لأنها تثير النزاعات والأحقاد.
تكفل بريطانيا الحريات لجميع مواطنيها سواء المجنسين أو المقيمين، حيث يمكنك انتقاد الحكومة، أو رئيس الوزراء، أو الأحزاب السياسية، أو القرارات الاقتصادية، أو حتى العائلة المالكة لكن ضمن حدود القانون، كما يمكنك أن تختلف مع أي فكرة أو دين أو توجه سياسي، لكن دون أن يثير الكراهية.
نطرح هذا الموضوع لأنه يهم الجالية العربية في بريطانيا بشكل خاص، فكثير من العرب يشاركون في النقاشات العامة، ويكتبون على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحدثون عن قضايا مثل فلسطين، والهجرة، والإسلاموفوبيا، وحقوق اللاجئين وغيرها من الملفات الحساسة. لذلك فإن معرفة القوانين لا تعني الخوف من التعبير عن الرأي، بل تساعد على استخدام هذا الحق بطريقة تحمي صاحبه وتجعله أكثر تأثيراً.
متى يتحول النقد إلى مخالفة قانونية؟
من أهم الأمور التي يجب معرفتها أن القانون البريطاني يفرق بين انتقاد الأشخاص أو الأفكار، وبين التحريض على الكراهية ضد مجموعة من الناس بسبب هويتهم. فمثلاً إذا انتقدت ديناً أو فكرة سياسية أو قراراً حكومياً، فهذا يدخل في إطار حرية التعبير في معظم الحالات. أما إذا تحول الكلام إلى دعوة لكراهية أشخاص بسبب دينهم أو عرقهم أو جنسيتهم أو أصلهم، فقد يصبح الأمر جريمة يعاقب عليها القانون.
ولا يشترط أن يكون ذلك في خطاب جماهيري أو برنامج تلفزيوني، فحتى منشور على فيسبوك، أو تعليق على منصة إكس، أو فيديو على تيك توك، قد يكون سبباً لفتح تحقيق إذا اعتبرت السلطات أن محتواه يحرض على الكراهية أو يشجع عليها.
وينطبق الأمر نفسه على الإرهاب. فمن حق أي شخص أن يناقش الأحداث السياسية أو يعبر عن رأيه في النزاعات الدولية، لكن القانون يمنع بشكل واضح تمجيد الأعمال الإرهابية أو تشجيعها أو التعبير عن الدعم لجماعات مصنفة كمنظمات إرهابية. لذلك فإن اختيار الكلمات عند الكتابة أو التعليق على هذه القضايا مهم جداً، لأن طريقة الصياغة قد تكون أحياناً أهم من الفكرة نفسها.
كما يحمي القانون سمعة الأفراد والشركات. لذلك فإن نشر معلومات غير صحيحة عن شخص أو مؤسسة، إذا سببت ضرراً لسمعتهم، قد يؤدي إلى دعوى تشهير، حتى لو كان النشر على وسائل التواصل الاجتماعي أو في مجموعة واتساب انتشرت بين عدد كبير من الأشخاص.
ماذا عن القضايا التي تهم الجالية العربية؟
من أكثر الأسئلة التي تتكرر بين أبناء الجالية العربية: هل يمكن انتقاد إسرائيل؟ وهل الحديث عن فلسطين قد يسبب مشكلة قانونية؟ الإجابة المختصرة هي نعم، يمكن انتقاد الحكومة الإسرائيلية وسياساتها، ويمكن معارضة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وهذا يدخل في إطار حرية التعبير.
لكن القانون هنا يفرق بين انتقاد دولة أو حكومة، وبين استهداف اليهود كجماعة دينية أو عرقية. فإذا تحول الحديث إلى تعميمات أو عبارات تحرض على كراهية اليهود بسبب هويتهم، فقد يعتبر ذلك معاداة للسامية، وهو أمر تتعامل معه السلطات البريطانية بجدية كبيرة. لذلك يتوجه الكثير من السياسيين والصحفيين والناشطين في بريطانيا في انتقاداتهم إلى الحكومات أو السياسات، وليس إلى الشعوب أو الأديان.
وهناك نقطة مهمة جداً وهي أن الإنترنت في بريطانيا لا يُعد خارج القانون. فكل ما يتم كتابته على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يخضع للمراجعة القانونية إذا احتوى على تهديدات، أو تحريض على العنف، أو نشر معلومات كاذبة بقصد الإضرار بالآخرين، أو محتوى يحض على الكراهية.
وخلال السنوات الأخيرة أضافت بريطانيا قوانين جديدة لتنظيم المحتوى المنشور على الإنترنت، وأصبحت الحكومة البريطانية تتابع كثيراً من القضايا المتعلقة بالمنشورات الإلكترونية، خصوصاً إذا كانت تتضمن تهديداً أو إساءة شديدة أو تحريضاً ضد فئات معينة.
لماذا من المهم أن تعرف هذه الحدود؟
قد يتهم البعض هذه القوانين بأنها تقيد الحرية، لكن في الحقيقة هي تحمي المجتمعات. فكلما عرف الإنسان ما يسمح به القانون وما يمنعه، استطاع أن يعبر عن رأيه بثقة أكبر، دون أن يمنح الآخرين فرصة لتشويه رسالته أو استخدام القانون ضده.
وهذا مهم بشكل خاص للجالية العربية، لأنهم أصبح حضورهم أكبر في الإعلام والسياسة والنشاطات الحقوقية والجامعات وغيرها من منظمات المجتمع المدني. ومع زيادة هذا الحضور، أصبح من الضروري أن يكون الخطاب واضح وقوي ويبتعد عن أي عبارات يمكن أن يتم تفسيرها على أنها تحريض أو دعوة للكراهية. لكن يجب الانتباه هنا إلى أن الحديث عن إسرائيل ككيان سياسي، أما الحديث عن اليهود كمجموعة بشرية تعيش في إسرائيل أو خارجها، فهو مما يستوجب تدخل القانون تبعاً لكونه من خطاب الكراهية.
كما زادت النقاشات في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة حول بعض القوانين الخاصة بخطاب الكراهية، خصوصاً تلك التي تتعلق بمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وما يعرف “بحوادث الكراهية غير الجنائية”. إذ يرى عدد من الحقوقيين والسياسيين أن بعض هذه القوانين أو طريقة تطبيقها قد تؤثر في حرية التعبير، بينما ترى جهات أخرى أنها ضرورية لحماية المجتمع ومنع انتشار الكراهية. وما زال هذا النقاش مستمراً حتى اليوم.
في النهاية، اختيار الكلمات بدقة، ومعرفة القوانين هي أقوى سلاح لإيصال الرسائل والدفاع عن الحقوق. فالقضايا المبنية على أسس واضحة، وحقائق، وخالية من التحريض أو التهديد، لا يمكن لأي شخص اعتبارها جريمة، وأصلاً يحميها القانون البريطاني. لذلك هذه القوانين تفرض عليك التحدث بذكاء، والتعبير عن الرأي بطريقة مؤثرة في المجتمع.
اقرأ أيضاً: تعريف الإسلاموفوبيا في بريطانيا: خطوة لحماية المسلمين أم تهديد لحرية التعبير؟