في بريطانيا، أصبحت الشاشات جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية في معظم المنازل، أثارت دراسة علمية جديدة نقاشاً جدلياً حول إحدى أكثر القضايا حساسية في التربية الحديثة “العلاقة بين الأطفال دون سن الثانية والأجهزة الرقمية”. وُصفت الدراسة بأنها من أشمل الدراسات العالمية حول هذا الموضوع، فهي لا تحذر فقط من “الإفراط في الاستخدام”، بل تتجاوز ذلك لتشير إلى “فراغ في السياسات” المتعلقة بالأطفال الرضع، في وقتٍ تُركز فيه السياسات العامة غالباً على المراهقين ومخاطر وسائل التواصل الاجتماعي. وبين العلم وضغوط الحياة اليومية على الآباء، تبرز معضلة جديدة تمس جوهر الطفولة في العصر الرقمي.
أطفال بريطانيا.. تحت ضغط الشاشات
تشير النتائج إلى أن التعرض المنتظم للشاشات قبل سن الثانية قد يرتبط بتأخر النمو اللغوي، وضعف مهارات التواصل، وقلة فرص التفاعل المباشر مع الوالدين. لا يقدم الباحثون استنتاجاً قاطعاً بشأن وجود علاقة سببية مباشرة، لكنهم يؤكدون على وجود “مخاطر تراكمية” لا يمكن تجاهلها، لا سيما في هذه المرحلة الحاسمة من نمو الدماغ والسلوك.
في هذا السياق، يتزايد القلق العلمي من أن الأجهزة الذكية لم تعد مجرد أدوات ترفيهية، بل أصبحت مصدراً بديلاً للراحة في بعض المنازل. يلجأ بعض الآباء إلى هواتفهم أو أجهزتهم اللوحية لتهدئة أطفالهم بدلاً من التفاعل المباشر معهم. ووفقاً للباحثين، قد ينشئ هذا التحول نمطاً من “الاعتماد العاطفي غير المباشر” بين الطفل والشاشة، على حساب فقدان العلاقة الأساسية مع الوالدين، وهي علاقة تعتبر حجر الزاوية في النمو النفسي والاجتماعي المبكر.
اقرأ أيضاً: الجيل القَلِق في بريطانيا.. شباب يواجهون العمل بعقول أنهكها العالم الرقمي
بين ضغوط الحياة العصرية وضعف التوجيه الأسري
لا يرى الخبراء هذه الظاهرة بمعزل عن واقع اجتماعي معقد، لا سيما في المدن البريطانية حيث يعمل الآباء لساعات طويلة، وتصبح الشاشات أحياناً “مساعداً غير مُعلن” في إدارة الحياة اليومية. في هذا السياق، يرى الباحثون أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود الأجهزة، بل أيضاً في غياب إرشادات واضحة وعملية للآباء حول كيفية استخدامها مع أطفالهم، وفي تحديد الحد الفاصل بين الاستخدام “المشترك” والاستخدام “الضار بشكل حصري”. كما يدور نقاش سياسي حول مدى كفاية الإرشادات الحكومية الحالية، التي تنصح بعدم استخدام الشاشات للأطفال دون السنتين، مع السماح باستثناءات مثل الاستخدام المشترك أو التعليمي.
حسب الدراسة، قد يسبب هذا التناقض ارتباكاً لدى الآباء، ويطمس الخط الفاصل بين ما هو مفيد وما هو ضار في الممارسة اليومية، لا سيما في البيئات متعددة الثقافات كالمجتمعات العربية في المملكة المتحدة، حيث تتداخل أساليب التربية التقليدية مع واقع رقمي متزايد.
الطفولة الرقمية في سياق المجتمعات العربية
بالنسبة للمجتمع العربي في بريطانيا، لا تجري هذه النقاشات في فراغ ثقافي، بل في بيئة معقدة تجمع بين القيم الأسرية المحافظة نسبياً وضغوط الاندماج في مجتمع رقمي سريع التطور. تعتمد العديد من العائلات العربية على الشاشات كوسيلة للتواصل مع أقاربها في بلدانها الأصلية، مما يجعل الجهاز الرقمي جزءاً لا يتجزأ من النسيج العاطفي للعائلة، وليس مجرد مصدر للترفيه.
لكن هذا الاستخدام المزدوج يثير تساؤلاً دقيقاً، حول كيفية الحفاظ على العلاقات الأسرية العابرة للحدود دون تحويل الأطفال إلى “مستهلكين أساسيين” للشاشات؟
يعتقد بعض خبراء التعليم أن الحل لا يكمن في الحظر التام، بل في تنظيم استخدام الشاشات وجعله تجربة تفاعلية حقيقية، بدلاً من تجربة مشاهدة سلبية طويلة الأمد. في هذا السياق، يصبح التعليم الرقمي جزءاً من هوية الأسرة، ليس مجرد قرار تقني، بل خيار ثقافي يعيد تعريف مفهوم الطفولة في المجتمعات البعيدة عن الوطن.
ختاماً، لا تقتصر هذه الدراسة على الشاشات فحسب، بل تتناول تغيراً أعمق في طبيعة الطفولة في المجتمعات الحديثة. فبين الحاجة إلى التكنولوجيا، وضغوط الحياة اليومية، ونقص أدوات التوجيه، يجد الآباء أنفسهم في منطقة رمادية بلا حلول سهلة. في المملكة المتحدة، كما هو الحال في مجتمعات المهاجرين، الأمر يتجاوز سؤال “هل ينبغي استخدام الشاشات للأطفال؟” ليصبح “كيف نعيد بناء العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا بحيث لا تفقد الطفولة جوهرها الأساسي التفاعل واللغة والتواصل المباشر؟”
في هذا التوتر الصامت بين سهولة استخدام التكنولوجيا الرقمية والحاجة الإنسانية، تتشكل ملامح جيل جديد، جيل لم يختر أدواته بعد، ولكنه سيتحمل آثارها لفترة طويلة.