لسنوات طويلة، كانت لندن الوجهة الأمثل للخريجين والمهنيين الشباب في بريطانيا، أولئك الذين يبدأون مسيرتهم المهنية قبل أن يتجهوا تدريجياً نحو امتلاك منزلهم الأول. إلا أن الوضع قد تغير بشكل واضح. فقد أدى الارتفاع الحاد في أسعار العقارات والإيجارات في البلاد إلى دفع عدد متزايد من الشباب لإعادة النظر في خططهم السكنية والبحث عن مدن أخرى توفر فرصة أسرع لامتلاك منزل دون التأثير على مستقبلهم المهني. ومع تجاوز متوسط الدفعة الأولى لشراء منزل في العاصمة مستويات يصعب على الكثيرين تحملها، أصبح الانتقال إلى المدن الإقليمية خياراً أكثر واقعية واقتصادية، لا سيما مع استمرار نمو أسواق العمل خارج لندن وتحسن البنية التحتية للمواصلات.
ما الذي يبحث عنه مشتري المنزل لأول مرة في مدن بريطانيا؟
لم يعد قرار شراء المنزل الأول يعتمد على السعر فقط، بل أصبح الأمر مرتبطاً بمجموعة من العوامل، بما في ذلك مستويات الدخل، وتكاليف الإيجار، وفرص العمل، وسهولة التنقل، وجودة الحياة. وقد أدى ذلك إلى ظهور مدن تجمع بين سوق عقاري بأسعار معقولة واقتصاد محلي مزدهر، مما يسمح للشباب بالادخار أثناء الاستئجار ثم الانتقال في نهاية المطاف إلى امتلاك منزل.
يرى خبراء العقارات أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً تدريجياً في أنماط الهجرة الداخلية في المملكة المتحدة، حيث يختار العديد من الخريجين البقاء في المدن الجامعية أو الانتقال إلى المدن الإقليمية بدلاً من تحمل الأعباء المالية للعاصمة.
ماهي المدن التي تتصدر المشهد العقاري؟
صنفت دراسة حديثة عدداً من المدن البريطانية كأفضل المدن لمشتري المنازل لأول مرة، استناداً إلى أسعار الشقق مقارنة بالدخل، ومستويات الإيجار، والنمو السكاني، وسوق العمل النشط. تصدرت “ستوك أون ترينت Stoke-on-Trent” القائمة بفضل أسعارها المنخفضة نسبياً، مما يتيح للمشترين دخول سوق العقارات بتكلفة أقل بكثير من المدن الكبرى، مع الاستفادة أيضاً من شبكة مواصلات جيدة وقربها من المراكز الاقتصادية الرئيسية. كما تتميز مدينة “هال Hull” أيضاً بتنوع فرص العمل فيها في القطاعات الصناعية والطاقة والطبية واللوجستية، إلى جانب أسعار العقارات التي تناسب شريحة واسعة من الشباب.
بدورها، تواصل “ديربي Derby” استقطاب الخريجين بفضل وجود شركات صناعية وهندسية كبرى، بالإضافة إلى مشاريع التنمية الحضرية التي تزيد من المعروض من المساكن وتخلق فرص عمل جديدة.
اقرأ أيضاً: مقابل 20 جنيهاً إسترلينياً فقط.. استمتع بأشهر مدن الملاهي في بريطانيا
مدن في بريطانيا تجمع بين العمل والحياة
لم يعد امتلاك منزل هو العامل الوحيد المحدد لاختيار السكن، فقد أصبحت جودة الحياة جزءاً هاماً من معادلة السكن. وقد أدى ذلك إلى ظهور مدن مثل “ميلتون كينز Milton Keynes”، التي تستفيد من موقعها الاستراتيجي بين لندن وأكسفورد وكامبريدج، فضلاً عن كونها مقراً رئيسياً لشركات عالمية وسوق عمل متنوع.
أما في “ليفربول Liverpool”، يجذب مزيج من الأسعار المعقولة، والحياة الثقافية النابضة، والجامعات، والقطاع المالي المزدهر، عدداً كبيراً من الخريجين، بينما توفر “بليموث Plymouth” بيئة مثالية لمن يسعون إلى الجمع بين فرص العمل ونمط الحياة الساحلي. بينما تحافظ “ساوثهامبتون Southampton” على جاذبيتها بفضل قطاعها البحري وجامعاتها وحدائقها الواسعة، بينما تستفيد “كارديف Cardiff” من توسع الاقتصاد الرقمي والتطورات العمرانية الجديدة التي زادت من جاذبية المدينة للشباب.
تواصل “غلاسكو Glasgow” و”نورويتش Norwich” استقطاب الخريجين بفضل تنوع الوظائف في القطاعات المالية والعلمية والثقافية، وتبقى الأسعار فيها أقل من المدن البريطانية المنافسة.
المشهد العقاري المتغير في المملكة المتحدة
لا يعني التوجه نحو المدن الإقليمية تراجع أهمية لندن بالعكس، لكنها لم تعد الخيار الوحيد المحدود لبدء مسيرة مهنية. فرغم الفجوة المستمرة بين الدخل وأسعار العقارات في العاصمة، توفر العديد من المدن الأخرى الآن معادلة أكثر توازناً تجمع بين فرص العمل، وتكاليف المعيشة المعقولة، وإمكانية امتلاك منزل في فترة زمنية أقصر. ويرى المراقبون أن استمرار استثمار الحكومة في البنية التحتية وتوسع الشركات خارج لندن سيعزز مكانة هذه المدن في السنوات القادمة، ما يجعلها وجهات أكثر جاذبية لمشتري المنازل لأول مرة الذين يبحثون عن بداية أكثر استقراراً مالياً دون تفويت فرص التطور الوظيفي والتمتع بمستوى معيشي أفضل.