كانت سارة كليرك Sarah Clerk تريد الذهاب إلى منتجع تونبريدج ويلز Tunbridge Wells، لكنها احتاجت إلى المال. فكتبت إلى ابن أخيها تسأل، بانزعاج، عن عائد أسهمها الأفريقية.. تبدو الرسالة شأناً عائلياً عادياً، إلى أن نتذكر أن الربح الذي انتظرته خرج من شركة تتاجر بالبشر.
هذه ليست حكاية امرأة واحدة عثر عليها مؤرخ في هامش دفتر. سجل تجار العبيد البريطانيين، الذي أُعلن هذا الأسبوع بعد ثلاث سنوات من البحث، أحصى 1100 مستثمرة في الشركة الأفريقية الملكية وشركة بحر الجنوب ورحلات مستقلة. بعضهن اشترين الأسهم وبعنها، وبعضهن ورثنها ثم أدرنها، وأخريات أقرضن الشركات أو زودنها بالبضائع. فهل موّلن تجارة العبيد فعلاً؟ نعم، لكن فهم الكلمة يحتاج إلى تفصيل.
من هن الألف امرأة
جاءت الأسماء من طبقات متباعدة، من ملكات وأميرات ونبيلات إلى تاجرات وصاحبات حوانيت ونساء لا يكتبن أسماءهن فوقعن بعلامة. ومن بين 457 امرأة أمكن تحديد حالتهن الاجتماعية، كانت قرابة النصف أرامل وأكثر من 42 في المئة عازبات، فيما لم تتجاوز المتزوجات سبعة في المئة وكان معظمهن من الأرستقراطية.
يفسر القانون جانباً من الصورة، فالعزباء والأرملة استطاعتا امتلاك المال والتصرف به بصفتهما القانونية، بينما ابتلعت شخصية الزوج القانونية في الغالب مال المرأة المتزوجة. كانت القيود الذكورية حقيقية وقاسية، لكنها لم تجعل النساء جميعاً خارج اقتصاد العبودية، وهذه هي النقطة التي أضاعتها رواية تاريخية مريحة زمناً طويلاً.
لا نعرف كل امرأة بالقدر نفسه، ولا يمكن وضع الدافع ذاته في قلب ألف سيرة. بعضهن بحثن عن استقلال مالي، وبعضهن حمَين مستقبل أبنائهن، وأخريات تحركن داخل شبكات العائلة والتجارة. لكن اختلاف الدافع لا يغير مصدر العائد.
التمويل له أكثر من يد
لا يعني الرقم أن 1100 امرأة جهزن سفينة بأيديهن أو وقعن عقد كل رحلة، فالتمويل اتخذ أشكالاً متعددة من شراء أسهم في شركات كان عملها المركزي نقل الأفارقة المستعبدين، إلى إقراضها والاتجار بحصصها وتمويل رحلات منفردة مقابل حصة من الربح. وعملت نساء أيضاً وسيطات وقدمن براميل وسيوفاً وسلعاً استُخدمت على الساحل الأفريقي.
وبحلول حل الشركة الأفريقية الملكية عام 1752، كانت النساء يشكلن نحو عُشر المساهمين. نقلت الشركة قرابة 150 ألف إنسان مستعبد، ونقلت شركة بحر الجنوب ما يقارب 45 ألفاً. الاستثمار هنا لم يكن ورقة بعيدة عن الجريمة.. كان مالاً أبقى الآلة قادرة على الإبحار.
وقد يقول قائل إن من ورثت سهماً لا تتحمل مسؤولية من اشتراه، والوراثة وحدها لا تثبت قراراً أولياً بالفعل؛ لكن السجل وجد نساء احتفظن بالأسهم وتاجرن بها وأوصين بعوائدها للأبناء، بل طالب بعضهن بديون ومكافآت مرتبطة بعدد من نُقلوا قسراً. عند هذه النقطة يتحول الأصل الموروث إلى اختيار مالي متجدد.
رواية أقل راحة
لا يقول البحث إن النساء البريطانيات كلهن أيدن العبودية، ولا يمحو دور نساء في حركة الإلغاء، إنما يهدم رواية تضع المرأة البيضاء في المشهد مستفيدة سلبية ثم منقذة أخلاقية. الواقع كان أعقد. وجد الباحثون نساء داخل الشركة عند كل مستوى تقريباً، وإن حُرمن من التصويت ومقاعد الإدارة.
كما يوسع السجل معنى المسؤولية، فتجارة العبيد لم تكن عملاً يخص قباطنة الموانئ وحدهم؛ دخلت البيوت والوصايا والجمعيات الخيرية والمراسلات اليومية، وصارت الأسهم جزءاً من الادخار العائلي ومن أموال مؤسسات بقي بعضها إلى اليوم. كان المال يغسل سيرته بالتبرع، بينما يبقى مصدره خارج اللوحة المعلقة على الجدار.
الأسماء التي لم تصل
يقدم الأرشيف للمؤرخ اسم المستثمرة وقيمة سهمها ورسالتها، ثم يصمت كثيراً أمام اسم المرأة الأفريقية التي كانت موضوع ذلك الاستثمار. وصفت الباحثة ليلا أوليري تشامبرز جمع أسماء المستثمرات بأنه صدمة، لأن السير المقابلة للمستعبدات نادرة وممزقة. هنا تصبح وفرة الوثيقة نفسها جزءاً من الظلم.
لهذا لا ينبغي أن يتحول اكتشاف النساء الممولات إلى بطولة بحثية عن الممولات أنفسهن، بل ينبغي أن يقود إلى السفن والرحلات والأشخاص الذين سُلبت أسماؤهم، وأن يساعد المؤسسات البريطانية على تفسير مصادر أموالها عوضاً عن الاكتفاء بصورة المحسن على الجدار. التاريخ لا يُستعاد كي نبدل أسماء الأبطال فقط، بل كي نعيد الضحية إلى قلب الحكاية.
إذاً نعم، موّلت أكثر من ألف امرأة بريطانية تجارة العبيد وفق التعريف الذي يعتمده السجل، لكنهن لم يفعلن الشيء نفسه بالطريقة نفسها. منهن من استثمرت مباشرة، ومن ورثت ثم أدارت، ومن أقرضت أو توسطت أو باعت سلعة للشركة. التفصيل لا يبرئ، بل يضع المسؤولية في مكانها الصحيح.
وتعود بنا القصة إلى سارة كليرك. كانت تريد مال المنتجع، لا درساً في التاريخ. غير أن رسالتها الصغيرة تفضح ما تخفيه الروايات الكبيرة، فقد كانت العبودية قريبة إلى حد أنها دخلت حديث العائلة بين خبر مرض ووصفة شراب وسؤال عن سهم.
اقرأ أيضاً: من هي سيدة الأعمال السعودية لجين العبيد؟