يشكل الحصول على فرصة عمل بداية مهمة في حياة أي إنسان، فهو لا يوفر دخلاً مادياً فحسب، بل يمنحه أيضاً الشعور بالاستقلال والثقة والقدرة على بناء مستقبله. إلا أن الطريق إلى سوق العمل لم يعد سهلاً كما كان في السابق، إذ يواجه كثير من الشباب اليوم تحديات تتعلق بقلة الخبرة العملية وعدم امتلاك المهارات التي تتطلبها الوظائف الحديثة. وفي المقابل، تبحث الشركات مثل شركة أمازون عن موظفين قادرين على التكيف مع التطورات التكنولوجية المتسارعة ومتطلبات بيئة العمل المتغيرة.
وهنا يبرز دور الشركات الكبرى في توفير فرص العمل والتدريب والمساهمة في إعداد الشباب للحياة المهنية. وتعد شركة أمازون Amazon من أبرز الشركات التي تسعى إلى توسيع استثماراتها في المملكة المتحدة من خلال إنشاء مراكز لوجستية جديدة وتوفير آلاف الوظائف. ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على أثرها الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى دورها في معالجة بعض التحديات المرتبطة ببطالة الشباب وتنمية المهارات المطلوبة في سوق العمل. ولذلك يتناول هذا المقال استثمارات أمازون الجديدة في المملكة المتحدة وعلاقتها بفرص التوظيف وتطوير المهارات المهنية لدى الشباب.
توسع أمازون في المملكة المتحدة وأثره في خلق فرص العمل
أعلنت شركة أمازون Amazon، إحدى أكبر شركات التجارة الإلكترونية في العالم، عن افتتاح مركز توزيع جديد في مدينة بيتربورو Peterborough شرق إنجلترا، بتكلفة استثمارية بلغت 107 ملايين جنيه إسترليني. ومن المتوقع أن يوفر هذا المركز نحو 1400 فرصة عمل جديدة، وهو ما يجعله من أكبر المشاريع التي أعلنت عنها الشركة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
يقع المركز الجديد في طريق فلاكسلي Flaxley Road بجوار منشأة أخرى تابعة لأمازون افتُتحت عام 2010، ويعمل فيها حالياً أكثر من 1000 موظف. وتوضح هذه الأرقام حجم حضور الشركة في المدينة وأهميتها كواحدة من أكبر جهات التوظيف المحلية.
ويتميز المركز الجديد بكونه أول مركز توزيع من نوع “مركز التوزيع الواحد” في المملكة المتحدة. ويعتمد هذا النموذج على تخزين المنتجات الواردة من الموردين في موقع واحد مع تقليل عدد مراحل المعالجة والنقل داخل سلسلة الإمداد. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تسريع عمليات التسليم ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للعملاء، وهو ما ينسجم مع استراتيجية أمازون الرامية إلى تحسين تجربة التسوق الإلكتروني وتقليل أوقات الانتظار.
ويأتي هذا المشروع ضمن خطة استثمارية واسعة أعلنتها أمازون بقيمة 40 مليار جنيه إسترليني للفترة الممتدة بين عامي 2025 و2027. وتؤكد هذه الاستثمارات التزام الشركة بتوسيع عملياتها داخل المملكة المتحدة وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني. كما أعلنت الشركة أن عمليات التوظيف ستشمل تخصصات متنوعة مثل الهندسة والمالية والصحة والسلامة المهنية، مما يوفر فرصاً لمختلف مستويات الخبرة والمؤهلات.
وأشار توميسلاف باتينيتش Tomislav Patinic مدير الموقع الجديد، إلى أن المنشأة ستساعد على تعزيز شبكة أمازون اللوجستية وتسهيل وصول المنتجات إلى العملاء بشكل أسرع. كما أعرب عن تفاؤله بشأن الوظائف الجديدة التي سيوفرها المشروع وأثرها الإيجابي في المجتمع المحلي.
بينما رحب نعمان علي إقبال عضو مجلس الوزراء في مجلس مدينة بيتربورو والمسؤول عن النمو والتجديد بهذه الخطوة، مؤكداً أن أمازون تمتلك تاريخاً طويلاً من النجاح في المدينة وأنها من أكبر الشركات المشغلة للعمالة المحلية. كما أشاد ببرامج تطوير المهارات التي تقدمها الشركة لموظفيها، خاصة برنامج “اختيار المسار الوظيفي”، الذي تتحمل أمازون من خلاله 100% من تكاليف التدريب والتطوير المهني للموظفين.
بطالة الشباب وفجوة المهارات في سوق العمل البريطاني
على الرغم من الاستثمارات الكبيرة التي تضخها الشركات في الاقتصاد البريطاني، ما تزال مشكلة بطالة الشباب تمثل تحدياً رئيسياً أمام صناع القرار. وهنا أكد جون بومفري John Boumphrey رئيس أمازون في المملكة المتحدة، أن عدداً كبيراً من الشباب يواجهون صعوبات في الحصول على فرص عمل مناسبة، لكنه رفض تحميلهم المسؤولية عن هذه المشكلة.
وأوضح بومفري أن ما يقارب مليون شاب بريطاني ليسوا في التعليم أو التدريب أو العمل، مشيراً إلى أن السبب لا يعود إلى ضعف الرغبة في العمل أو نقص الحافز، بل إلى وجود مشكلة أعمق تتعلق بمدى استعداد النظام التعليمي لتأهيل الشباب للحياة المهنية. ويرى أن العديد من الخريجين يدخلون سوق العمل دون امتلاك المهارات العملية التي يبحث عنها أصحاب العمل.
وتدعم الإحصاءات الرسمية هذه المخاوف، حيث ارتفع معدل البطالة في المملكة المتحدة إلى 5% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس، مقارنة بـ 4.9% في الفترة السابقة. أما بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً فقد بلغ معدل البطالة 16.2%، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ أواخر عام 2014.
وأشارت جين فولي Jane Foley المديرة الإدارية في رابوبنك Rabobank إلى أن هذه الأرقام مقلقة للغاية، موضحة أن العديد من الشباب كانوا يحصلون سابقاً على أولى خبراتهم المهنية من خلال وظائف الضيافة والخدمات. إلا أن التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب بعض التشريعات المتعلقة بالأجور، أدت إلى تراجع عدد هذه الفرص، مما صعّب دخول الشباب إلى سوق العمل.
كما أظهرت دراسة نشرها معهد الدراسات المالية أن تراجع توظيف الشباب في الوقت الحالي يقترب من المستويات التي شهدتها المملكة المتحدة خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كوفيد-19. ولذلك وصف آلان ميلبورن Alan Milburn وزير العمل البريطاني السابق، بطالة الشباب بأنها تمثل أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية في الوقت نفسه بسبب آثارها طويلة المدى على الأفراد والمجتمع.
أهمية التدريب العملي ودور التكنولوجيا في مستقبل الوظائف
في ظل هذه التحديات، يرى مسؤولو أمازون أن التدريب العملي يمثل أحد أهم الحلول لسد الفجوة بين التعليم وسوق العمل. ولهذا دعا جون بومفري إلى جعل الخبرة العملية إلزامية للشباب بعد سن السادسة عشرة، مؤكداً أن هذه التجارب تساعد الطلاب على اكتساب مهارات أساسية مثل العمل الجماعي والتواصل وتحمل المسؤولية وحل المشكلات، وهي مهارات يطلبها أصحاب العمل بشكل متزايد.
وتوظف أمازون حالياً نحو 75 ألف شخص في المملكة المتحدة، ويأتي ما يقارب نصفهم مباشرة من التعليم أو من فترات البطالة. كما تنفذ الشركة برامج تدريب وخبرة عملية مخصصة لفئات مختلفة من الشباب، بما في ذلك الشباب من ذوي صعوبات التعلم والتوحد، بهدف تسهيل اندماجهم في سوق العمل.
ومن جهة أخرى، توضح تجربة أمازون أن التطور التكنولوجي لا يؤدي بالضرورة إلى تقليل فرص العمل كما يعتقد البعض. فعندما أدخلت الشركة الروبوتات إلى مستودعاتها، ظهرت حاجة متزايدة إلى وظائف جديدة تتطلب مهارات متقدمة، مثل مهندسي الميكاترونكس وفنيي صيانة الروبوتات والمتخصصين في الأنظمة الآلية. وبدلاً من تقليص العمالة، أدى التوسع في استخدام التكنولوجيا إلى خلق وظائف جديدة تتطلب مستويات أعلى من المعرفة التقنية.
ولذلك يؤكد بومفري أن المشكلة الحالية لا تتمثل في نقص الوظائف، بل في عدم توفر عدد كافٍ من العاملين المؤهلين لشغل الوظائف الحديثة. ومن هنا تبرز أهمية التعاون بين الشركات والحكومات المحلية والكليات ومؤسسات التعليم المهني لتحديد المهارات المطلوبة وتوفير برامج تدريب مناسبة تلبي احتياجات سوق العمل.
في النهاية، وراء كل رقم يذكر في إحصاءات التوظيف شخص ينتظر فرصة، وطموح يسعى إلى أن يتحول إلى واقع. ولذلك فإن الحديث عن الاستثمارات الجديدة أو الوظائف المضافة لا يتعلق بالاقتصاد وحده، بل يتعلق أيضاً بمستقبل آلاف الأشخاص الذين يبحثون عن مكان لهم في سوق العمل. وتوضح تجربة أمازون أن الشركات الكبرى تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في توفير هذه الفرص، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن التحدي الحقيقي يكمن في إعداد الشباب لاغتنامها.
اقرأ أيضاً: كأس العالم 2026 يحرك سوق العمل الأمريكي: وظائف جديدة عبر قطاع الضيافة