تشهد بريطانيا هذا الأسبوع حالة طقس غريبة، فبعد أسابيع من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، تستعد مناطق واسعة لهطول أمطار غزيرة، إلا أن هذه الأمطار لن تكون كافية لإنهاء أزمة المياه التي تؤثر على أنحاء مختلفة من البلاد. نعم، حتى الطقس البريطاني قرر أن يزيد الوضع تعقيداً.
أمطار في بريطانيا بعد أسابيع من الجفاف.. لكن لا فرح فيها
من المتوقع أن تشهد عدة مناطق بريطانية هطول أمطار واسع النطاق في الأيام المقبلة، مصحوباً بانخفاض في درجات الحرارة لتعود إلى مستوياتها المعتادة في مثل هذا الوقت من العام. تجلب الأمطار الانفراج للتربة الجافة وقد تساعد في تقليل مخاطر الحرائق التي ارتفعت حدتها خلال فترة الجفاف، لكنها قد تتسبب أيضاً في حدوث فيضانات سطحية في بعض المناطق.
ويعود ذلك إلى أن التربة، التي جفت وتصلبت خلال الأسابيع الماضية، قد تعجز عن امتصاص كميات كبيرة من المياه بسرعة، مما يؤدي إلى تجمع المياه على الأسطح والطرقات. رغم توقعات هطول الأمطار، لا تزال أجزاء واسعة من إنجلترا تعاني من ظروف جفاف حاد، في حين انخفضت مستويات المياه في العديد من الخزانات الرئيسية إلى مستويات منخفضة للغاية.
ففي مقاطعة “كنت Kent”، اضطرت شركة “ساوث إيست ووتر” (South East Water) لمطالبة السكان بقصر استخدام المياه على الضروريات فقط، وذلك بعد انقطاع مؤقت في الإمدادات عن آلاف المنازل. وفي الوقت نفسه، فرضت شركة “ويسيكس ووتر” (Wessex Water) حظراً على استخدام خراطيم المياه في المناطق التي تخدم نحو 1.4 مليون نسمة. ولا تقتصر المشكلة على مجرد نقص في المياه المتاحة، إذ أن تزايد الطلب خلال فترات الحر والجفاف يضع ضغطاً كبيراً على شبكات التوزيع والخزانات والأنهار.
اقرأ أيضاً: المملكة المتحدة تحت الأمطار: مكتب الأرصاد الجوية يحذر من فيضانات واسعة
لماذا لا تكفي الأمطار ليومين أو ثلاثة؟
تكمن المشكلة في أن العجز المائي لا يحدث بين عشية وضحاها، بل هو نتيجة لنقص طويل الأمد في هطول الأمطار. ففي حوض نهر التايمز Thames، بلغت كمية الأمطار المسجلة خلال شهر يوليو أقل من مليمتر واحد، وهو ما يعادل نحو 2% فقط من المعدل المعتاد، كما تجاوز الطلب اليومي على المياه المستويات الطبيعية بنحو 100 مليون لتر. وتشير التقديرات إلى الحاجة لأسابيع من هطول الأمطار المستمر، وليس مجرد موجة قصيرة من الهطول- لكي تعود الأنهار والخزانات والغطاء النباتي إلى مستوياتها الطبيعية.
ولهذا السبب، تواصل شركات المياه البريطانية حث السكان على ترشيد الاستهلاك، حتى مع عودة هطول الأمطار، فقد ساعدت القيود المفروضة بالفعل في خفض الطلب على المياه، سجلت شركة “تيمز ووتر” (Thames Water) انخفاضاً بنسبة 3% في الاستهلاك المنزلي في لندن، وتراجعاً تجاوز 6% في مناطق أخرى منذ بدء تطبيق التدابير المعنية.
وظهر الوضع في بريطانيا حالياً، أن هطول الأمطار لا يعني بالضرورة انتهاء حالة الجفاف، لا سيما عندما تأتي الأمطار عقب فترة طويلة من الطقس الحار والجاف، إذ قد تهطل أمطار غزيرة في غضون أيام قليلة، في حين قد تحتاج التربة وخزانات المياه والأنهار إلى أسابيع أو حتى فترات أطول لاستعادة توازنها.
ما هو الحل؟
لا يبدو أن الحل يكمن ببساطة في انتظار هطول الأمطار، فالأمر يتطلب إدارة أفضل للموارد المائية على المدى الطويل. ويشمل ذلك الحد من التسربات في شبكات التوزيع، وتحسين تخزين المياه خلال فترات هطول الأمطار، وتشجيع السكان على ترشيد الاستهلاك، تحديداً أثناء موجات الحر وفترات الجفاف.
كذلك، يتعين على الجهات المعنية في البلاد التخطيط لمواسم الجفاف مسبقاً، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل بعد انخفاض مستويات المياه في الخزانات والأنهار. وفي ظل تزايد التقلبات المناخية، أصبحت كفاءة استخدام المياه وتطوير البنية التحتية ركائز أساسية لضمان استمرارية الإمدادات، ولم تعد مجرد تدابير مؤقتة يتم التخلي عنها بمجرد عودة هطول الأمطار.
ختاماً، يبدو أن بريطانيا ستواجه سيناريو كارثي، فقد تهطل كميات من الأمطار تكفي للتسبب في فيضانات، لكنها لا تكفي لإنهاء الجفاف. إنه تناقض يعكس التعقيد المتزايد في إدارة الموارد المائية، في ظل تغير أنماط الطقس وتزايد وتيرة موجات الحر.