قد يعتقد الكثيرون في بريطانيا أن الضرائب التي يدفعونها تذهب مباشرةً إلى المستشفيات والمدارس والنقل والسلطات المحلية. إلا أن بحثاً نشرته صحيفة الغارديان قد رسم صورةً مختلفة، كاشفاً أن نسبةً كبيرةً من الإنفاق الحكومي تُوجَّه الآن إلى شركات مملوكة لشركات استثمارية خاصة، هدفها الرئيسي تحقيق أرباح للمستثمرين!
ووفقاً للبحث، يتم تخصيص حوالي 24.4 مليار جنيه إسترليني من تمويل العقود الحكومية لشركات تديرها شركات استثمارية خاصة في عام واحد. وهذا يعادل حوالي جنيه إسترليني واحد من كل 11 جنيهاً إسترليناً تنفقها الحكومة على المقاولين. وقد أثار هذا الرقم نقاشاً واسعاً في عموم بريطانيا، ليس فقط بين الاقتصاديين، بل أيضاً بين ملايين المواطنين الذين يعتمدون على الرعاية الصحية والتعليم والنقل والرعاية الاجتماعية يومياً.
ما هي شركات الاستثمار الخاصة.. ولماذا تثير الجدل؟
شركات الاستثمار الخاصة ليست شركات تقدم خدمات مباشرة للمواطنين. بل هي شركات استثمارية تجمع الأموال من المستثمرين والبنوك لشراء شركات قائمة، ثم تحاول زيادة أرباحها قبل إعادة بيعها. من حيث المبدأ، لا يعد هذا النموذج الاقتصادي إشكالياً في جوهره. في الواقع، تلعب هذه الصناديق دوراً في تمويل الشركات وتطويرها. إلا أن الجدل يثار عندما تعهد هذه الصناديق بإدارة الخدمات العامة التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الناس، كالمستشفيات والرعاية الاجتماعية والنقل العام.
يرى منتقدو هذا النموذج أن الشركة التي يكمن هدفها الرئيسي في تعظيم عوائد المستثمرين قد تضطر إلى خفض التكاليف، أو تسريح الموظفين، أو تقليل جودة الخدمات لتحقيق أرباح أعلى. وهذا بدوره قد يؤثر في نهاية المطاف على المواطنين الذين يستخدمون هذه الخدمات يومياً.
اقرأ أيضاً: ضريبة قبل صرف المعاش! المتقاعدون البريطانيون يترقبون مصير دخلهم!
لماذا هذا الخبر مهم لجميع البريطانيين؟
قد يعتقد البعض أن هذه القضية تخص الحكومة البريطانية فقط، لكن الحقيقة أنها تؤثر على جميع البريطانيين، سواء كانوا بريطانيين أو من الجالية العربية. عندما يزور مريض مستشفى تابعاً لهيئة الخدمات الصحية الوطنية، أو يرسل أطفاله إلى المدرسة، أو يستخدم الحافلات والقطارات، أو يتعامل مع خدمات المجلس المحلي، فإنه في الواقع يتعامل مع جهات، وفقاً للأبحاث، تدار بشكل متزايد من قِبل شركات مرتبطة بصناديق استثمارية.
بحسب الأبحاث، تجاوزت قيمة العقود الممنوحة للشركات المدعومة برأس المال الخاص في هيئة الخدمات الصحية الوطنية وحدها 5 مليارات جنيه إسترليني في عام واحد، وامتد وجودها ليشمل التعليم والنقل والبنية التحتية والخدمات البلدية. لذا، لم يعد السؤال الذي يشغل بال الكثير من البريطانيين اليوم، من يقدم الخدمات؟ بل أصبح، هل تحولت الأولوية إلى المريض والطالب والمسافر… أم إلى المساهمين الذين ينتظرون الأرباح؟
بين منطق السوق وحقوق المواطنين
يدافع ممثلو قطاع رأس المال الخاص عن دورهم، مؤكدين أن استثماراتهم ساهمت في تطوير آلاف الشركات البريطانية، وجذبت مليارات الجنيهات من الاستثمارات الأجنبية، ووفرت فرص عمل جديدة. في المقابل، يرى الأكاديميون والاقتصاديون أن المشكلة لا تكمن في الاستثمار الخاص بحد ذاته، بل في طبيعة الخدمات العامة. لا يمكن إدارة هذه القطاعات بمنطق الربح والخسارة فقط، لارتباطها بالحقوق الأساسية كالرعاية الصحية والتعليم والرعاية الاجتماعية.
لذا، يتزايد النقاش في بريطانيا حول ضرورة التدقيق في العقود الحكومية، وضمان ألا يؤدي السعي لتحقيق أقصى قدر من الأرباح إلى تراجع جودة الخدمات الممولة من دافعي الضرائب.
بين السطور… هل يتغير هيكل الحكومة البريطانية؟
لا يتعلق ما توصل إليه البحث بعقدٍ هنا أو شركةٍ هناك، بل يعكس تحولاً أوسع في طبيعة الاقتصاد البريطاني. فالحكومة التي عُرفت تاريخياً بتقديم خدمات عامة متميزة، تجد نفسها اليوم تعتمد بشكل متزايد على شركات الاستثمار لإدارة بعض هذه الخدمات. ولعل السؤال الأهم الذي سيظل مطروحاً في السنوات القادمة هو كيف يمكن تحقيق الكفاءة الاقتصادية وجذب الاستثمارات دون أن يشعر المواطنون بأن الخدمات التي يدفعون ثمنها من ضرائبهم باتت تخضع لقوى السوق أكثر من المصلحة العامة؟
هذا السؤال لا يهم البريطانيين فحسب، بل يهم أيضاً مئات الآلاف من العرب المقيمين في المملكة المتحدة، الذين يستخدمون هذه الخدمات يومياً ويواجهون النتائج نفسها، سواءً كانت إيجابية أم سلبية.