أوامر ترحيل لبريطانيين من السويد: هل تتآكل حقوق ما بعد «بريكست» بصمت؟
تابعونا على:

سياسة

أوامر ترحيل لبريطانيين من السويد: هل تتآكل حقوق ما بعد «بريكست» بصمت؟

نشر

في

622 مشاهدة

أوامر ترحيل لبريطانيين من السويد: هل تتآكل حقوق ما بعد «بريكست» بصمت؟

الكاتب: أحمد علي

واجه بريطانيان مسنان عاشا في السويد أكثر من عقدين أوامر بالمغادرة خلال أيام في أغسطس 2026. هوراس ميسون Horace Mason، البالغ 74 عاماً والمصاب بخرف وعائي وباركنسونية ويحتاج إلى رعاية دائمة، خسر مساره القضائي بعد إقامة تقارب 25 سنة. وجويس توماس Joyce Thomas، وهي أرملة في الثامنة والسبعين عاشت في السويد 21 عاماً، خسرت استئنافاً ضد قرار المغادرة بعد أن تقدمت متأخرة بطلب الإقامة الخاص باتفاق «بريكست». الحالات الفردية لا تثبت وحدها انتهاكاً منظماً، لكنها تكشف مشكلة حقيقية في الطريقة التي تحولت بها حقوق الإقامة القديمة إلى وضع قانوني يحتاج إلى طلب وإثبات.

اتفاق انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يلغ حقوق البريطانيين الذين كانوا يقيمون بصورة قانونية في دولة أوروبية قبل نهاية 2020. لكنه سمح للدول باختيار نظامين مختلفين. بعضها اعتمد نظاماً «إعلانياً» تبقى فيه الحقوق قائمة إذا استوفى الشخص الشروط ولو لم يحمل وثيقة خاصة، فيما اختارت السويد، مثل بريطانيا نفسها ودول أخرى، نظاماً «تأسيسياً» يطلب من الشخص تقديم طلب للحصول على الصفة الجديدة. المشكلة السويدية لا تبدأ من وجود هذا النظام، فهو مسموح به في الاتفاق، بل من طريقة التعامل مع المتأخرين ومعيار «الأسباب المعقولة» الذي يفترض أن يحمي من فاتهم الموعد لأسباب يمكن قبولها.

حقوق ما بعد بريكست بين النص والطلب

المادة 18 من اتفاق الانسحاب تسمح للدولة التي تختار النظام التأسيسي بوضع مهلة لتقديم الطلبات. لكنها تلزم السلطات، عندما يفوت الشخص الموعد، بتقييم كل الظروف والأسباب والسماح بطلب متأخر خلال مدة إضافية معقولة إذا وجدت أسباب معقولة لعدم الالتزام. كما أن قرارات الإقامة والإبعاد تبقى خاضعة لمبادئ التناسب والضمانات القضائية التي يحتويها الاتفاق والقانون الأوروبي ذي الصلة.

في السويد كان على البريطانيين المشمولين تقديم طلب للحصول على وضع إقامة بعد «بريكست»، وأظهرت تقارير المتابعة الأوروبية أن البلاد تلقت نحو 14 ألف طلب. أحدث الأرقام التي استندت إليها تقارير بريطانية تشير إلى رفض قرابة 27.5% من الطلبات، وهي نسبة أعلى بكثير من المتوسط الأوروبي ومن دول لديها أعداد متقاربة من المتقدمين. الرقم يحتاج إلى فهم حذر، لأن الرفض قد يشمل أسباباً مختلفة ولا يعني أن كل صاحب طلب كان مستحقاً قانونياً للإقامة.

السلطات السويدية تقول إن تقديم الطلب متأخراً لا يزال ممكناً في ظروف استثنائية، وإن على الشخص أن يشرح كتابياً سبب عدم قدرته على الالتزام بالموعد. لكنها لا تعتبر الجهل بوجوب تقديم الطلب سبباً كافياً بذاته. هنا يتركز الخلاف مع منظمات بريطانيين في السويد ومع مسؤولين بريطانيين يقولون إن التطبيق السويدي أكثر صرامة من دول أخرى، وإن أشخاصاً ذوي روابط عائلية واجتماعية عميقة يجدون أنفسهم خارج الحماية بسبب خطأ إجرائي.

من المهم ألا تتحول المقارنة إلى اتهام أحادي للسويد. بريطانيا اختارت هي أيضاً نظاماً تأسيسياً للمواطنين الأوروبيين عبر «EU Settlement Scheme»، وحددت موعداً عاماً في يونيو 2021. قواعدها تسمح بطلبات متأخرة إذا ثبتت أسباب معقولة، وتطلب حالياً أن يغطي التفسير فترة التأخير كلها. لذلك فإن أصل المشكلة جزء من هندسة «بريكست» نفسها، التي استبدلت حق الحركة الحرة بنظام أوضاع قانونية ووثائق ومواعيد تحتاج إلى إدارة دقيقة.

لماذا تبدو السويد أشد؟

حالة ميسون تبين أن المسألة لا تتوقف دائماً عند طلب «بريكست» نفسه. قدم طلب إقامة في ديسمبر 2021، ثم رفضت وكالة الهجرة طلبه لاحقاً على أساس أنه لم يقدم وثائق تثبت حق الإقامة بالشروط المطلوبة. انتقلت الأسرة بعد ذلك إلى مسار في قانون الأجانب يعتمد على الظروف الإنسانية والروابط الخاصة، لكن محكمة الاستئناف للهجرة رأت أن مصلحة الدولة في ضبط الهجرة ترجح على مصلحته في البقاء، رغم حالته الصحية واعتماده على الرعاية داخل السويد.

هذه النتيجة تثير سؤال التناسب أكثر من سؤال الموعد وحده. رجل يحتاج إلى رعاية على مدار الساعة ولا يستطيع ببساطة بدء حياة جديدة في بلد آخر يختلف عن طالب تأخر بضعة أشهر وهو قادر على الحركة والعمل. المحكمة نظرت في تلك الظروف وانتهت إلى أن الإبعاد متناسب، بينما تستعد الأسرة لمحاولة اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. لا يمكن الحكم على صحة القرار من التغطية الصحفية وحدها، لكن القضية توضح أن الضمانات الإنسانية تصبح حاسمة عندما يؤدي الخطأ في الوضع القانوني إلى اقتلاع شخص شديد الضعف.

جويس توماس تقدم صورة أخرى. تقول إنها وزوجها كانا يعتقدان أنهما لا يحتاجان إلى إجراء جديد، وإن زوجها كان يتولى الشؤون الإدارية قبل وفاته في 2023. قدمت طلبها متأخرة، ورفضت السلطات اعتبار تفسيرها كافياً. بعد خسارة الاستئناف أصبح احتمال المغادرة وإمكان فرض حظر إعادة دخول إلى منطقة شنغن جزءاً من الخوف الذي تعيشه. رأي السلطات أن عدم معرفة القاعدة وحده لا يكفي، فيما يرى داعموها أن طول الإقامة والعمر والروابط العائلية يجب أن يكون لها وزن أكبر.

التفاوت مع دول أخرى هو ما يجعل السويد تحت المجهر. الدنمارك، التي استخدمت أيضاً نظاماً تأسيسياً، واجهت بعد «بريكست» حالات لأشخاص فاتهم الموعد بفترات قصيرة، ثم عدلت نهجها التشريعي بما أتاح فرصة أخرى لبعض المتأخرين. السويد لم تتخذ خطوة مماثلة حتى الآن. هذا لا يثبت أن كل قرار سويدي يخالف الاتفاق، لكنه يدل على أن الدول تستطيع تطبيق الإطار نفسه بدرجات مختلفة من المرونة.

هناك بعد اتصالي أيضاً. حقوق ما بعد «بريكست» كانت موجهة إلى أشخاص اعتادوا لعقود أن تكون إقامتهم داخل الاتحاد مرتبطة بحرية الحركة لا بطلب هجرة تقليدي. انتقالهم إلى نظام جديد احتاج إلى تواصل مباشر وواسع. عندما يقول أشخاص عاشوا 20 أو 25 عاماً إنهم لم يفهموا ضرورة التقديم، يصبح من المشروع تقييم ما إذا كانت الحكومتان البريطانية والسويدية أوصلتا الرسالة إلى الفئات المسنة والمعزولة والمرضى، لا الاكتفاء بإثبات أن المعلومات كانت منشورة على موقع إلكتروني.

من الخطأ الإداري إلى اقتلاع الحياة

تقول «الغارديان» إن نحو 2500 بريطاني تلقوا أوامر بالمغادرة في السويد بعد «بريكست»، وتصف الرقم بأنه الأعلى بين دول الاتحاد. هذا الرقم من التغطية الصحفية وليس إحصاءً رسمياً وجدناه منشوراً بالتفصيل من وكالة الهجرة، ولذلك ينبغي نسبه إلى المصدر وعدم التعامل معه كعدد نهائي. الأرقام الأوروبية الموثقة عن الطلبات والرفض تؤكد في المقابل أن نسبة الرفض السويدية مرتفعة على نحو لافت وتستحق المتابعة.

المشكلة العملية أن رفض الطلب لا يعني خسارة ورقة فقط. الشخص الذي بنى منزلاً أو أسرة أو شبكة رعاية في بلد ما قد يفقد حق العمل والخدمات والعيش اليومي فيه. وإذا غادر تحت أمر ترحيل قد تتأثر قدرته على العودة إلى العائلة. لهذا صُممت أحكام اتفاق الانسحاب لحماية من مارسوا حق الحركة قبل «بريكست» طوال حياتهم، مع السماح للدول في الوقت نفسه بتنظيم إثبات تلك الحقوق.

الاتحاد الأوروبي وبريطانيا يملكان قناة مؤسسية لمعالجة الخلافات عبر اللجنة المتخصصة بحقوق المواطنين. المفوضية الأوروبية تراقب تطبيق الاتفاق في الدول الأعضاء، ويمكن إثارة الأنماط التي تبدو متعارضة مع تفسير موحد للأحكام. لكن هذه الآليات بطيئة مقارنة بمهلة مغادرة فردية من عشرة أيام أو أربعة أسابيع. لذلك يبقى الاستئناف الوطني والمساعدة القانونية والقنصلية أدوات أكثر إلحاحاً لمن صدر بحقه القرار.

الحل لا يحتاج بالضرورة إلى إلغاء النظام التأسيسي. يمكن توضيح معيار الأسباب المعقولة، ووضع إرشادات أوسع للفئات الهشة، والتأكد من وزن طول الإقامة والمرض والعلاقات الأسرية في اختبار التناسب، مع فتح مسار لمعالجة الحالات القديمة التي لم يصلها التواصل بوضوح. وفي المقابل يبقى على صاحب الطلب تقديم ما يستطيع من أدلة، لأن الاتفاق لا يمنح وضعاً آلياً لكل مواطن بريطاني عاش في السويد في أي وقت.

حقوق ما بعد «بريكست» لم تختف من النص، لكنها أصبحت أكثر اعتماداً على الإجراءات مما كانت عليه حقوق الحركة الحرة. هذا التحول هو ما تكشفه الحالات السويدية. يستطيع شخص أن يكون مستقراً اجتماعياً لعقود ثم يكتشف أن وضعه القانوني لم يكتمل بالطريقة المطلوبة. إذا كانت نسبة الرفض في السويد استثنائية فعلاً بسبب تفسير ضيق للأسباب المعقولة، فالمشكلة تحتاج إلى تصحيح من السلطات السويدية والاتحاد الأوروبي. وإذا كانت بعض الحالات تفشل لأنها لا تثبت شروط الاتفاق، فيجب شرح ذلك بوضوح أيضاً. ما لا يمكن اعتباره طبيعياً هو بقاء الفارق بين وعد حماية المقيمين القدامى والنتائج الإنسانية القاسية من دون مراجعة مؤسسية علنية.

اقرأ أيضاً: هل التقارب البريطاني مع الاتحاد الأوروبي إنقاذ سياسي أم عودة خفية للبريكست؟

2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا
سياسةساعتين منذ

2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟
علوم وتكنولوجيا4 ساعات منذ

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟

داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!
مال وأعماليوم واحد منذ

داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!

قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد
سياسةيوم واحد منذ

قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد

هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026
رياضةيوم واحد منذ

هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026
مال وأعماليومين منذ

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة
رياضةيومين منذ

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟
أخبار لندن3 أيام منذ

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية
مال وأعمال3 أيام منذ

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
سياسة3 أيام منذ

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
















X