في خطوة طبية وتكنولوجية غير مسبوقة، خضع أول مريض بريطاني لزرع شريحة “نيوراليك” في دماغه، مما يفتح آفاقاً جديدة في مجال التداخل بين العقل البشري والتقنية. تعكس هذه التجربة تقدماً مذهلاً نحو دمج الذكاء الاصطناعي مع الجهاز العصبي لتحسين جودة حياة المرضى وتعزيز القدرات الذهنية.
حول زراعة الشريحة في رأس المريض
في إنجاز يعيد رسم الحدود بين الفكر والتقنية، أعلنت جامعة “يونيفرسيتي كوليدج” لندن (UCL) عن نجاح أول تجربة بريطانية لزراعة شريحة (Neuralink) داخل دماغ مريض مصاب بـمرض الأعصاب الحركية، مكّنته من تحريك مؤشر الحاسوب بمجرد التفكير، وذلك بعد ساعاتٍ فقط من العملية الجراحية. ونشرت نتائج التجربة في مجلة الجامعة الرسمية UCL News بتاريخ 28 أكتوبر 2025.
أجريت العملية في مستشفى الأعصاب التابع للجامعة بإشراف البروفسور “حارث أكرم”، وهو جراح بريطاني من أصول عراقية وخريج كلية الطب في الجامعة المستنصرية ببغداد عام 2002. ويعتبر اليوم من أبرز جراحي الأعصاب في معهد “كوين سكوير أوف نيرولوجي” التابع للجامعة في لندن، ضمن مشروع بحثي يُعرف باسم GB-PRIME، يعنى بتطوير واجهات الدماغ – الآلة (Brain–Computer Interfaces – BCI) لتأهيل المرضى فاقدي الحركة والنطق.
اقرأ أيضاً: الكلية الملكية للأطباء تدعو لتطبيق نظام “صحي وسليم” لخيارات أكثر صحة
حول نجاح التجربة ودخول الذكاء الاصطناعي
يقول البروفيسور المشرف أن الطريق لا يزال طويلاً قبل أن تصبح هذه التقنية علاجاً متاحاً في المستشفيات، ويعرب عن ذلك بقوله: “نحن في مرحلة بحثية دقيقة. لا نزال ندرس سلامة الزرعة واستقرارها وتأثيرها على الدماغ على المدى الطويل. لكن النتائج الأولية مشجعة جداً، خصوصاً في استعادة التواصل للمرضى الذين فقدوا النطق أو الحرك”.
أما عن دور الذكاء الاصطناعي، فقد وضحّ البروفيسور أن الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً محورياً في تحليل الإشارات الدماغية وترجمتها إلى أوامر رقمية دقيقة. وفي المستقبل، قد يتمكن المريض من الكتابة أو التحدث عبر التفكير فقط، وهذا بحد ذاته ثورة في تعزيز الكرامة الإنسانية قبل أن يكون إنجازاً تقنياً.
لكن لضمان نجاح هذه التجربة يتحتم على المجال الطبي متابعة الاستثمار في البحث العلمي، إلى جانب تأسيس بيئة أخلاقية وتشريعية تضمن الاستخدام الآمن للتقنيات العصبية (Neurotechnologies). كذلك أشار البروفيسور إلى أن على العالم العربي الاهتمام بهذا الجانب الطبي، فهو يمتلك العقول القادرة على تطوير تقنيات طبية تخدم البشرية، لكنه يحتاج فقط إلى الجسور. مضيفاً: “أنا أومن أن التعاون مع المراكز الجامعية التي تدعم العلم والبحوث يمكن أن يفتح آفاقاً مذهلة”.
بهذا الإنجاز، تفتح لندن فصلاً جديداً في تاريخ الطب العصبي، حيث تلتقي أعماق الدماغ بحدود التقنية، ويتحوّل الصمت إلى لغة جديدة.
جهود المملكة المتحدة لمعالجة أمراض الدماغ
بريطانيا تسعى جاهدة لمواكبة تقنيات الذكاء الاصطناعي في علاج الشلل وأمراض الدماغ من خلال استثمارات ضخمة في البحث والتطوير، وإنشاء مراكز متخصصة تجمع بين علماء الأعصاب ومهندسي البرمجيات لتطوير حلول مبتكرة.
تعتمد الحكومة والمؤسسات الطبية على تقنيات مثل التعلم العميق وتحليل البيانات لتحسين دقة التشخيص وتخصيص العلاج، بالإضافة إلى تطبيقات مثل زراعة الشرائح العصبية التي تساعد في استعادة الحركة والتحكم الوظيفي للمصابين. هذا التوجه يعكس التزام بريطانيا بتحقيق قفزات حقيقية في الطب العصبي باستخدام الذكاء الاصطناعي.