من يتابع الأخبار في بريطانيا خلال الفترة الماضية، يعرف تماماً أن قطاع الضيافة يعيش أصعب فتراته. فتكاليف التشغيل ارتفعت بشكل كبير، عدا عن أن مستوى المعيشة تغير وبالتالي تغيرت معه مستويات إقبال المواطنين على المطاعم. وهذا ما جعل العديد من المؤسسات في مأزق مالي. ويبدو أن نتائج تلك الفترة بدأت بالظهور عبر إعلان عدد من الشركات إفلاسها ومنها سلسلة مطاعم ماروش اللبنانية.
فقد لفتت قصة مجموعة مطاعم مروش اللبنانية Maroush الانتباه، ليس لأنها شركة تجارية فقط، بل لأنها أصبحت جزءاً من ذاكرة الجالية العربية في لندن لأكثر من أربعين عاماً.
مروش.. من “قلب بيروت” في لندن إلى مواجهة التحديات المالية
منذ افتتاح أول مطعم لمروش على شارع إدجوير رود Edgware Road عام 1981، نجحت العائلة اللبنانية المؤسسة، بقيادة معروف أبوزكي وزوجته هدى أبوزكي، في بناء اسم اشتهر عند العرب والبريطانيين في نفس الوقت.
فعندما وصلت العائلة إلى لندن خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، كانت تحمل معها فكرة بسيطة، وهي تقديم المطبخ اللبناني الأصيل للجمهور البريطاني. ومع الوقت تحول المطعم إلى مقصد للزوار الباحثين عن تجربة ثقافية لبنانية في قلب لندن، حيث كان المطعم ينقل أجواء بيروت من خلال الطعام والضيافة والموسيقى اللبنانية الحية.
لذلك لم يكن مستغرباً أن تثير الأنباء المتعلقة بدخول مجموعة مروش المحدودة في إجراءات الإدارة المالية اهتماماً واسعاً بين رواد المطاعم والجالية العربية. وبحسب الوثائق الرسمية، تم وضع الشركة تحت الإدارة في 12 يونيو 2026، في خطوة تهدف عادة إلى حماية الشركة وإعطائها فرصة لإعادة تنظيم أوضاعها المالية بدلاً من التصفية المباشرة.
ومع ذلك طمأنت إدارة ماروش زبائنها بأنها لا تزال تعمل بصورة طبيعية وأن أبوابها مفتوحة كالعادة. لكن الأرقام المالية تكشف أن التحديات لم تكن جديدة. فالشركة كانت تواجه ضغوطاً مالية منذ سنوات، وسجلت خسائر تجاوزت 3.4 ملايين جنيه إسترليني خلال السنة المالية المنتهية في مارس 2024، مما جعل من الحديث حول قدرتها على الاستمرار في الظروف التي كانت تمر بها يتزايد.
الأزمة لا تقتصر على المطاعم.. شركات سفر وبناء ونقل على القائمة
الوضع الذي يمر به مروش لا تعيشه لوحدها، بل هو موجة واسعة طالت شركات عديدة في المملكة المتحدة خلال عام 2026.
ففي قطاع السفر، انتهت رحلة شركة ستراتشان ترافل المحدودة Strachan Travel Ltd بعد نحو 40 عاماً من العمل. تلك الشركة التي خدمت آلاف المسافرين على مدى عشرات السنين دخلت رسمياً في التصفية الطوعية، وتم إلغاء جميع برامج العطلات التي كانت تقدمها. كما توقف موقعها الإلكتروني عن العمل.
وأيضاً في قطاع البناء، دخلت شركة جيه آر إل بريك وورك JRL Brickwork في إجراءات الإدارة المالية. وتعد الشركة من العلامات المشهورة في مجال المقاولات، إذ تنسق أعمال مئات المقاولين في مختلف أنحاء البلاد. وبالرغم من عدم معرفة الأسباب الدقيقة لأزمتها، إلا أن التقارير تفيد بأن الشركة كانت تبحث منذ فترة عن حلول لإعادة ترتيب أوضاعها المالية.
أما في قطاع النقل، فقد واجهت شركة لايتهاوس ترافل المحدودة Lighthouse Travel Ltd نفس المصير. فقد كانت تعمل الشركة في خدمات النقل المدرسي والتأجير الخاص في جزيرة وايت Isle of Wight وعلى الساحل الجنوبي. وقد أعلنت توقف أعمالها، مشيرة بشكل مباشر إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي منعتها من الاستمرار بالعمل.
عندما تصبح العقود الطويلة من النجاح غير كافية
أكثر ما يلفت الانتباه في التصفيات السابقة للشركات المتعثرة، أن معظمها له تاريخ طويل في العمل، أي أنها ليست شركات جديدة داخلة إلى السوق. ومن المؤكد أنهم مروا بظروف صعبة في السابق واستطاعوا الانتصار عليها.
فشركة فيلديل ريتيل Fieldale Retail، التي كانت تدير عدداً من متاجر لاكلاند ليذر Lakeland Leather، أنهت مسيرتها بعد أكثر من 43 عاماً من العمل. وجاءت التصفية بعد إغلاق عدد من المتاجر التي لم تعد تحقق الأداء المطلوب، بعد التغيرات الحاصلة في قطاع التجزئة واتجاه المستهلكين نحو التسوق الإلكتروني.
وفي قطاع الصناعات الغذائية، أغلقت شركة ميلينيوم دو Millennium Dough أبوابها بعد 34 عاماً من النشاط. وقد بنت الشركة سمعتها على إنتاج عجينة بيتزا مجمدة ذو جودة عالية، حيث يتم بيعها للمطاعم والعملاء التجاريين. إلا أن الضغوط المالية المتراكمة دفعتها في النهاية إلى الدخول في الإدارة المالية، تاركة وراءها ديوناً تجاوزت مليون جنيه إسترليني.
في النهاية، تصفية الشركات المحدودة لأعمالها وسط حالات الإفلاس المزمنة ينذر بوجود خلل كبير في نمط المعيشة في بريطانيا، فهذه الشركات غالباً ما يكون أصحابها من محدودي الدخل في بدايتهم، وتعبوا حتى استطاعوا بناء أسماء لهم في السوق البريطاني، ومنهم سلسلة مطاعم ماروش اللبنانية، التي تركزت في ذاكرة كل شخص عربي موجود في بريطانيا.
اقرأ أيضاً: أسعار مرتفعة وكراسٍ فارغة: ماذا يحدث لقطاع المطاعم في بريطانيا