تتعرّى قيمة السياسات الاجتماعية حين تُقاس بقدرتها على حماية الحياة اليومية لا بشعاراتها فقط، ولهذا عاد الجدل في بريطانيا حول «حد الطفلين» بوصفه أكثر من بند مالي في دفاتر الرفاه. القرار الذي يتجه إلى إنهاء القيد ابتداءً من أبريل 2026 يفتح سؤالاً أوسع من مجرد زيادة مخصصات، هل نحن أمام مراجعة أخلاقية لسياسة أرهقت الأسر الأكبر عدداً، أم أمام محاولة لتقوية الدخل الأسري في لحظة عالمية مضطربة يخشاها بعض المراقبين تحت عنوان «ترامبفليشن (مصلح مركّب متداول المقصود فيه المخاوف من سياسات ترامب الاقتصادية)».
إلغاء حد الطفلين ومعناه
بدأت سياسة حد الطفلين عملياً على المواليد من 6 أبريل 2017 بعد أن قُدمت سياسياً في موازنة 2015، وفكرتها بسيطة في ظاهرها، إذ تُحصر الزيادة المرتبطة بالأطفال في «يونيفرسال كريدت» (نظام الدعم الاجتماعي في بريطانيا) بالطفلين الأولين مع استثناءات محددة. لكن أثرها الفعلي كان واسعاً، فالإحصاءات الحكومية الخاصة بأبريل 2025 تُظهر أن نحو 469780 أسرة على يونيفرسال كريدت كانت متأثرة بالسياسة، وأن أكثر من 1.66 مليون طفل يعيشون في هذه الأسر، كما أن 59 في المئة من الأسر المتأثرة كانت في سوق العمل بالفعل.
وهذه الأرقام تضع النقاش في مكانه الحقيقي، لأن المسألة لا تخص بطالة مزمنة فقط، بل تمتد إلى أسر تعمل وتظل دخولها أقل من كلفة المعيشة.
منطق السياسة عند البداية
المنطق الذي دافعت به الحكومات المحافظة عن الحد كان يقوم على خفض الإنفاق العام، وعلى فكرة أن الأسر التي تتلقى دعماً قائماً على اختبار الدخل يجب أن تواجه الخيارات المالية نفسها التي تواجهها الأسر المعتمدة على الأجور وحدها. غير أن هذا المنطق ظل يصطدم بقراءات أخرى، ورأى معهد الدراسات المالية أن السياسة خفّضت استحقاقات الأسر المتأثرة بأكثر من 4400 جنيه سنوياً في المتوسط، أي ما يوازي قرابة عُشر دخلها القابل للإنفاق، كما عدّ إلغاءها من أكثر الأدوات كفاءة في خفض فقر الأطفال.
وفي المقابل تشير تقديرات الحكومة إلى أن إلغاء حد الطفلين قد يؤدي إلى وجود 450 ألف طفل أقل في الفقر النسبي بحلول 2030 مقارنة بخط الأساس، وهو ما يفسر لماذا خرج القرار من خانة الجدل الحزبي الضيق إلى قلب النقاش الاجتماعي.
أين يدخل ترامبفليشن هنا
أما «ترامبفليشن»، وهو وصف إعلامي فضفاض للمخاوف المرتبطة بسياسات دونالد ترامب التجارية والرسوم الجمركية وما تجره من اضطراب في التجارة والأسعار، فيحتاج إلى قدر من التبصر قبل إلصاقه مباشرة بالقرار البريطاني. وكان قد قال بنك إنجلترا في تقريره النقدي الصادر في مايو 2025 إن الأثر الإجمالي القائم لتطورات التجارة العالمية على بريطانيا يبدو في المدى المتوسط أقرب إلى التأثير الخافض للتضخم منه إلى التأثير الرافع له، حتى مع بقاء درجة عالية من عدم اليقين.
كما توقع مكتب مسؤولية الموازنة في مارس 2026 تراجع تضخم أسعار المستهلك من 3.4 في المئة عام 2025 إلى 2.3 في المئة عام 2026، مع تحذير واضح من أن التقلب التجاري والتعريفات الأميركية قد يضغطان على النمو البريطاني ويخفضا الناتج إذا اتسعت دائرة الردود.
درع اجتماعي لا نقدي
من هنا تبدو قراءة إلغاء حد الطفلين بوصفه «درعاً ضد ترامبفليشن» قراءة جزئية لا أكثر. القرار لا يخفض أسعار الطاقة، ولا يغير مسار الفائدة، ولا يمنع انتقال الصدمات الخارجية إلى السوق البريطانية. لكنه يفعل شيئاً آخر لا يقل أهمية، إذ يرفع الدخل المتاح للأسر الأشد هشاشة ويمنحها قدرة أعلى على امتصاص الغلاء إن عاد بقوة.
وتشير الإحاطة البرلمانية الخاصة بمشروع القانون إلى أن نحو 570 ألف أسرة في بريطانيا قد تربح في 2030 و2031 متوسطاً يقارب 450 جنيهاً شهرياً من إلغاء حد الطفلين، وهذا ليس علاجاً للتضخم، بل تخفيف من أثره الاجتماعي. لذلك يصح وصفه كوسادة حماية معيشية أكثر من كونه أداة اقتصادية مباشرة.
بين العدالة وكلفة الخزانة
مع ذلك لا ينتهي الجدل هنا، المعترضون يحذرون من كلفة إضافية على الخزانة ومن إضعاف حوافز العمل، بينما تشير قراءات بحثية إلى أن أثر السياسة الأصلية على العمل كان محدوداً، وأن استمرارها كان يعني وفورات مالية واضحة للدولة إذا أُبقيت كما هي.
وبين هذين المنظورين تبدو الصورة الأهدأ كالتالي، إلغاء حد الطفلين في بريطانيا هو قبل كل شيء اختيار اجتماعي يعيد تعريف ما يجب أن يتحمله نظام الرفاه من أعباء الأسرة، وهو في الوقت نفسه إجراء يمنح الأسر منخفضة الدخل قدرة أفضل على مواجهة عالم أكثر تقلباً.. لذلك فالسؤال الأدق ليس هل هو سياسة اجتماعية أم درع ضد «ترامبفليشن»، بل أيهما يغلب في دوافعه، والجواب حتى الآن أن البعد الاجتماعي هو الأصل، أما الأثر الوقائي الاقتصادي فيأتي نتيجة تالية لا عنواناً أول.
اقرأ أيضاً: الحصبة في بريطانيا.. هل يجب التحرك لحماية الأطفال؟