في تصريح لمديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، قالت إن بريطانيا سحبت طلبها المثير للجدل بالوصول إلى بيانات مستخدمي شركة “آبل Apple ” حول العالم إذا لزم الأمر، وأضافت “تولسي جابارد Tulsi Gabbard” في منشور على “موقع X ” إن المملكة المتحدة وافقت على إسقاط تعليماتها لشركة التكنولوجيا العملاقة بتوفير “باب خلفي” من شأنه أن “يسمح بالوصول إلى البيانات المشفرة المحمية للمواطنين الأمريكيين ويتعدى على حرياتنا المدنية”.
في السياق ذاته، علمت “بي بي سي BBC” أن شركة أبل لم تتلق حتى الآن أي اتصال رسمي من حكومتي الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة، وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية “نحن لا نعلق على المسائل التشغيلية، بما في ذلك تأكيد أو نفي وجود مثل هذه الإخطارات”.
حيثيات النزاع بين بريطانيا وآبل … كيف تطور
كانت قد سعت” شركة آبل” في مارس الماضي إلى اتخاذ إجراءات قانونية لمحاولة إلغاء طلب تقدمت به الحكومة البريطانية للاطلاع على البيانات الخاصة لعملائها إذا لزم الأمر، وعلمت الإذاعة البريطانية أن شركة التكنولوجيا الأمريكية العملاقة قدمت استئنافاً إلى محكمة السلطات التحقيقية، وهي محكمة مستقلة لديها سلطة التحقيق في المطالبات ضد جهاز الأمن.
وهذا هو أحدث تطور في الخلاف غير المسبوق بين إحدى أكبر شركات التكنولوجيا في العالم والحكومة البريطانية بشأن خصوصية البيانات.
في يناير من العام الحالي، أصدرت وزارة الداخلية البريطانية أمراً سرياً لشركة “آبل” بمشاركة البيانات المشفرة الخاصة بمستخدمي” آبل” في جميع أنحاء العالم مع وكالات إنفاذ القانون في المملكة المتحدة في حالة وجود تهديد محتمل للأمن القومي.
لترد شركة Apple على ذلك باختيارها لإزالة ADP من السوق البريطانية بدلاً من الامتثال للإشعار، والذي من شأنه أن ينطوي على إنشاء “باب خلفي” في الأداة لإنشاء إمكانية الوصول، وقالت الشركة في ذلك الوقت إنها لن تتنازل مطلقاً عن ميزاتها الأمنية، وأعربت عن خيبة أملها بسبب اضطرارها إلى اتخاذ هذا الإجراء في المملكة المتحدة.
اقرأ أيضاً: اختراق جديد.. الأمن السيبراني في بريطانيا على المحك
ردود الأفعال الأمريكية حول النزاع… والتحفظ البريطاني
أثار الأمر البريطاني غضب الإدارة الأميركية، حيث وصفه الرئيس “دونالد ترامب Donald Trump” لمجلة “ذا سبيكتاتور The Spectator ” بأنه “شيء تسمع عنه مع الصين”.
على إثر الاستنكار الأمريكي علّقت “تولسي جابارد”، رئيسة الاستخبارات الأمريكية، إنها لم تتلق إخطاراً مسبقاً بشأن طلب المملكة المتحدة، وكتبت في رسالة أن الأمر كان “انتهاكاً صارخاً” لحقوق المواطنين الأميركيين في الخصوصية، وأضافت أنها تنوي معرفة ما إذا كان ذلك ينتهك شروط اتفاقية البيانات القانونية بين الولايات المتحدة وبريطانيا.
ذكرت صحيفة “فاينانشيال تايمز Financial Times “، التي كانت أول من كشف عن الإجراء القانوني الذي اتخذته شركة آبل، أن القضية أمام المحكمة قد يتم الاستماع إليها، ولكن ربما لا يتم الإعلان عنها.
أما في الجانب البريطاني، رفضت وزارة الداخلية تأكيد أو نفي وجود الإشعار الصادر في يناير، ومن الناحية القانونية، لا يُمكن نشر هذا الأمر، لكن متحدثاً باسم الحكومة البريطانية قال: “على نطاق أوسع، تتمتع بريطانيا بموقف راسخ يتمثل في حماية مواطنينا من أسوأ الجرائم، مثل الاعتداء الجنسي على الأطفال والإرهاب، في نفس الوقت الذي تحمي فيه خصوصية الناس”.
مضيفاً، تتمتع بريطانيا بضمانات قوية وإشراف مستقل لحماية الخصوصية، ولا تتأثر الخصوصية إلا على أساس استثنائي، فيما يتعلق بالجرائم الأكثر خطورة وفقط عندما يكون ذلك ضرورياً ومتناسباً”، في حين رفضت شركة آبل التعليق.
اقرأ أيضاً: نظام المساعدات القانونية يتعرض لأكبر هجوم سيبراني وتسريب ملايين المعلومات
آخر التطورات المعلن عنها في النزاع القائم
الجانب البريطاني خرج موضحاً على لسان متحدث باسمه، أنه كان هناك منذ فترة طويلة ترتيبات أمنية واستخباراتية مشتركة مع الولايات المتحدة لمواجهة أخطر التهديدات مثل الإرهاب والاعتداء الجنسي على الأطفال، بما في ذلك الدور الذي تلعبه التكنولوجيا سريعة التطور في تمكين هذه التهديدات.
في شهر ديسمبر، أرسلت المملكة المتحدة إشعاراً رسمياً إلى شركة “آبل” تطالب فيه بالحق في الوصول إلى البيانات المشفرة من مستخدميها في جميع أنحاء العالم، ولكن شركة آبل نفسها لا تستطيع رؤية بيانات العملاء الذين قاموا بتفعيل أداة الأمان الأكثر صرامة لديها، وهي الحماية المتقدمة للبيانات (ADP)، والتي تمنع أي شخص آخر غير المستخدم من قراءة ملفاتهم، ولكي تتمكن من القيام بذلك، كان عليها أن تكسر أساليب التشفير الخاصة بها.
أضاف المتحدث على كلامه السابق موضحاً: “لم نقم أبداً ببناء باب خلفي أو مفتاح رئيسي لأي من منتجاتنا أو خدماتنا، ولن نفعل ذلك أبداً”.
لترد “آبل” حينها بسحب ADP من السوق البريطانية ، وبدأت إجراءات قانونية للطعن في القرار، وكان من المقرر أن تُعقد جلسة استماع أمام محكمة في أوائل عام 2026، ولم يتضح بعد ما إذا كان ذلك سيستمر.
نظراً للسرية التي تحيط بالأمر الحكومي الصادر بموجب قانون الصلاحيات التحقيقية، فمن غير المعروف ما إذا كانت شركات التكنولوجيا الأخرى قد تلقت طلباً أيضاً، وتقول منصة الرسائل “واتساب”، التي يستخدمها ملايين البريطانيين، إنها لم تفعل ذلك حتى الآن.
أثار الإشعار، الذي لم تؤكده شركة آبل أو وزارة الداخلية على الإطلاق، غضب نشطاء حماية الخصوصية، الذين أصبحوا الآن متفائلين بحذر بشأن هذه الأخبار، فقد قال “سام جرانت Sam Grant” من منظمة الحقوق المدنية “ليبرتي Berthy”، التي أطلقت في وقت سابق، بالاشتراك مع منظمة “برايفسي إنترناشونال Privacy International”، دعوى قضائية منفصلة ضد الحكومة البريطانية: “إذا كان هذا القرار صحيحاً، فإنه موضع ترحيب كبير”، ويقصد بالقرار سحب آبل ADP من السوق البريطانية.
قال “لبي بي سي” إن إنشاء باب خلفي للبيانات الخاصة للمواطنين سيكون “خطوة متهورة وغير قانونية من جانب الحكومة”، وأضاف “هذا من شأنه أن يشكل تهديداً كبيراً لأمننا الشخصي والقومي، خاصة وأننا نعلم أنه من شأنه أن يعرض السياسيين والناشطين والأقليات بشكل خاص لخطر الاستهداف”.
يقول ناشطون، ما دامت هذه السلطة موجودة في إطار قانون الصلاحيات التحقيقية، فإنه يظل هناك خطر يتمثل في أن أي حكومة مستقبلية قد تحاول أيضاً استخدامه لإنشاء باب خلفي إلى خدمات مشفرة شاملة أخرى نستخدمها جميعاً.
بدوره أعرب “جيم كيلوك Jim Kellock”، المدير التنفيذي لمجموعة الحقوق المفتوحة، عن مخاوف مماثلة، وأضاف أن “صلاحيات المملكة المتحدة في مهاجمة التشفير لا تزال موجودة في كتب القانون، وتشكل خطرا ًجدياً على أمن المستخدمين والحماية ضد الانتهاكات الإجرامية لبياناتنا”.
السيناتور الديمقراطي “رون وايدنز Ron Waideens” معلقاً على الموضوع بين آبل وبريطانيا، إنه إذا كان التراجع الذي أحرزته المملكة المتحدة صحيحاً، “فإن ذلك سيكون بمثابة فوز لكل من يقدر الاتصالات الآمنة”، وأضاف أن “تفاصيل أي اتفاق مهمة للغاية”.
هناك بالفعل اتفاقية قانونية بين حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا “اتفاقية الوصول إلى البيانات” والتي تسمح لكلا البلدين بتبادل البيانات لأغراض إنفاذ القانون.
اقرأ أيضاً: أكثر المهن المطلوبة في بريطانيا لعام 2024: على رأسها التكنولوجيا والأمن السيبراني
ختاماً، خطوة بريطانيا كانت متحفظة ورد “آبل” كان مدوياً ومثيراً للعديد من ردود الأفعال التي وضعت المملكة المتحدة بموضع حرج، وأدت لأجواء مشحونة مع الولايات المتحدة، على أمل أن يكون هناك أكثر خصوصية لبيانات المستخدمين حول العالم، وأن لا تمس تلك الخصوصية تحت أيّ اعتبارات كانت.