سياسة
إيراسموس+ والعودة إلى أوروبا: هل يمثل اتفاق 15 نيسان خطوة رمزية أم تحولاً سياسياً؟
نشر
منذ 4 أسابيعفي
530 مشاهدة
By
ahmed.ali
لم يعد الملف هنا تعليمياً فقط. حين وقعت لندن وبروكسل في 15 نيسان النص القانوني الذي يعيد بريطانيا إلى برنامج إيراسموس+ ابتداءً من 1 كانون الثاني 2027، لم تكن المسألة مجرد إعادة فتح باب سفر للطلاب والمتدربين. الذي عاد في هذه الخطوة هو شيء أوسع من البرنامج نفسه. عاد خيط كان قد قُطع بقرار سياسي بعد بريكست، ثم عاد الآن بقرار سياسي آخر، لكنه جاء هذه المرة داخل صياغة أكثر هدوءاً، وأكثر حذراً، وأشد صلة بفكرة إعادة ترتيب العلاقة بين بريطانيا وأوروبا.
لهذا يصعب النظر إلى الاتفاق كخبر تقني محض، كما يصعب تضخيمه بوصفه انقلاباً كاملاً على مسار الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي. النص القانوني واضح، والمذكرة التفسيرية البريطانية أوضح. المشاركة ستبدأ في 2027، ضمن الإطار المالي الأوروبي الحالي الذي ينتهي في نهاية العام نفسه، مع مراجعة بعد عشرة أشهر من بدء التنفيذ. هذا يضع الاتفاق في مكان دقيق. هو خطوة ذات وزن سياسي واضح، لكنه ليس عودة مفتوحة بلا حدود. وهو اختراق مؤسسي فعلي، لكنه لا يكفي وحده للقول إن بريطانيا عادت إلى أوروبا بالمعنى الأوسع.
إيراسموس+ والعودة إلى أوروبا بين النص القانوني وحدود التحول
الذي وقع في 15 نيسان ليس إعلان نيات جديداً، بل قرار قانوني يعدل بروتوكول المشاركة في برامج الاتحاد الأوروبي ضمن اتفاق التجارة والتعاون بين الجانبين. الحكومة البريطانية قالت صراحة إن النص الموقع في بروكسل يفتح الطريق رسمياً أمام عودة المملكة المتحدة إلى Erasmus+ في 2027، بينما قالت المفوضية الأوروبية إن هذه الخطوة تضع المتعلمين والعاملين والمؤسسات البريطانية على القدم نفسها مع نظرائهم في دول الاتحاد والدول الثالثة المرتبطة بالبرنامج. المعنى هنا مهم. ما جرى ليس وعداً سياسياً مؤجلاً، بل إدخال العودة في نص ملزم قابل للتنفيذ.
لكن النص نفسه يضع الحدود منذ البداية. المذكرة التفسيرية البريطانية تقول إن الانضمام يبدأ في 1 كانون الثاني 2027 ويستمر حتى نهاية الإطار المالي متعدد السنوات 2021-2027، أي حتى نهاية 2027 فقط ضمن البرنامج الحالي. وتضيف أن أي انضمام بريطاني إلى البرنامج اللاحق سيحتاج إلى تعديل جديد للبروتوكول. بهذا المعنى، العودة حقيقية، لكنها ليست شيكاً مفتوحاً. الاتفاق أعاد بريطانيا إلى إيراسموس+، لكنه لم يحسم بعد شكل وجودها في المرحلة التالية.
ما الذي تغيّر فعلاً
من الناحية العملية، الاتفاق أوسع من صورة الطالب الجامعي التي ترتبط عادة باسم البرنامج. البيان البريطاني قال إن أكثر من 100 ألف شخص يتوقع أن يستفيدوا في السنة الأولى وحدها، بينهم طلاب ومتدربون ومتعلمون شباب ومجموعات مدرسية ومؤسسات تنفذ مشاريع عبر الحدود. ووكالة أسوشيتد برس أشارت إلى أن العودة تشمل أيضاً التلاميذ والمتعلمين البالغين والمربين والمدربين الرياضيين. هذا الاتساع مهم لأنه يوضح أن الاتفاق لا يعيد فقط قناة أكاديمية نخبوية، بل يعيد شبكة تبادل واسعة تمس التعليم والتدريب والشباب والرياضة في آن واحد.
الأهم أن بريطانيا لن تدخل البرنامج من مقعد جانبي. المفوضية الأوروبية قالت إن المشاركة الجديدة ستضع الجهات البريطانية على قدم المساواة مع الجهات الموجودة داخل الاتحاد والدول المرتبطة الأخرى. والحكومة البريطانية أعلنت أن المجلس الثقافي البريطاني سيتجه ليكون الوكالة الوطنية للبرنامج داخل المملكة المتحدة، رهن التأكيد النهائي من المفوضية في وقت لاحق من هذا العام. أي أن العودة لا تُبنى على رمز سياسي فقط، بل على جهاز تنفيذ وإدارة وتمويل ومراجعة.
لماذا ليس الأمر رمزياً فقط
لأن الخروج من إيراسموس+ كان واحداً من أكثر القرارات قابلية للقياس في الإرث اليومي لبريكست. بريطانيا غادرت البرنامج بعد الخروج من الاتحاد، وقررت حكومة بوريس جونسون في ذلك الوقت أن المشاركة ليست مجدية مالياً. لذلك فإن العودة الآن تلغي قراراً سياسياً سابقاً، لا مجرد نتيجة جانبية له. هذا بحد ذاته يحمل معنى سياسياً لا يمكن فصله عن التحول في لهجة الحكومة البريطانية الحالية تجاه أوروبا.
رويترز وصفت الاتفاق عندما أُعلن من حيث المبدأ في كانون الأول 2025 بأنه إشارة صغيرة لكنها رمزية على تحسن العلاقات بعد بريكست. وفي نيسان 2026 صار هذا المعنى الرمزي أكبر قليلاً، لأن ما كان اتفاقاً سياسياً عاماً صار نصاً قانونياً موقعاً. كما أن البيانين البريطاني والأوروبي ربطا الخطوة مباشرة بالقمة البريطانية الأوروبية الأولى في أيار 2025، التي وُصفت في حينه بأنها أكبر إعادة ضبط لعلاقات الدفاع والتجارة منذ الخروج. إيراسموس+ هنا لا يظهر كمبادرة معزولة، بل كجزء من مسار أوسع يضم الأمن والدفاع والغذاء والطاقة وربط أسواق الانبعاثات.
لماذا لا يكفي ذلك للحديث عن تحول كامل
لأن حدود الاتفاق نفسها تمنع هذا الاستنتاج السريع. أول هذه الحدود زمني. المشاركة المؤكدة الآن تنحصر في عام 2027 ضمن البرنامج الحالي، مع مراجعة بعد عشرة أشهر من بدء التنفيذ. المذكرة التفسيرية تقول إن المراجعة ستشمل مدى قدرة الوكالة الوطنية البريطانية على تخصيص التمويل الذي تديره، وأن اللجنة المتخصصة المعنية بالمشاركة في برامج الاتحاد يمكنها أن تناقش التغييرات أو تقترح إجراءات لاحقة. بكلمات أبسط، الاتفاق قابل للتنفيذ، لكنه لا يزال تحت الاختبار المؤسسي والسياسي معاً.
الحد الثاني مالي. الحكومة البريطانية قالت إنها حصلت على خصم نسبته 30 في المئة على معدل المساهمة الافتراضي، والمذكرة التفسيرية أوضحت أن مساهمة المملكة المتحدة في 2027 ستبلغ نحو 570 مليون جنيه إسترليني، بدلاً من نحو 810 ملايين جنيه من دون الشروط المالية المعدلة. هذا يجعل العودة أسهل سياسياً داخل بريطانيا، لكنه يكشف أيضاً أن الحساب المالي ظل جزءاً مركزياً من التفاوض، وأن الاتفاق لم يتحول إلى مصالحة فوق الحسابات، بل إلى تسوية محسوبة بعناية.
وهناك حد ثالث سياسي. أسوشيتد برس ذكرت أن لندن وبروكسل تواصلان التفاوض على ملفات أخرى مثل خفض الحواجز التجارية للغذاء والشراب وبرنامج أوسع لتنقل الشباب، فيما تعثرت الشهر الماضي محادثات انضمام بريطانيا إلى صندوق دفاع أوروبي كبير بسبب الخلاف على الكلفة. هذا التفاوت مهم. معناه أن العلاقة تتحرك فعلاً، لكنها لا تتحرك كلها بالسرعة نفسها، ولا في الاتجاه نفسه دائماً. بعض الأبواب فُتحت، وبعضها لا يزال نصف مفتوح.
ماذا تقول هذه العودة عن أولويات لندن وبروكسل
الذي يبدو من النصوص الرسمية أن الطرفين اختارا ملفاً منخفض الكلفة السياسية مقارنة بملفات أكثر حساسية، لكنه مرتفع الدلالة العامة. إيراسموس+ يمس الشباب والتعليم والتبادل الثقافي وفرص العمل والتدريب. أي أنه ملف قادر على إنتاج أثر ملموس وسهل الشرح للرأي العام، من دون أن يفرض فوراً أسئلة أشد حساسية تتعلق بحرية الحركة الشاملة أو السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي. بهذا المعنى، الاتفاق ليس التفافاً على السياسة، بل ممارسة سياسية حذرة تعرف أين تبدأ.
ولندن تحديداً تبدو معنية بهذا النوع من الخطوات. حكومة كير ستارمر لا تتحدث عن العودة إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها تتحدث عن علاقة أكثر عملية وأقل صداماً مع أوروبا. إعادة بريطانيا إلى برنامج مشهور وشعبي مثل إيراسموس+ تخدم هذه المقاربة جيداً. فهي تمنح الحكومة دليلاً ملموساً على أن تحسين العلاقة يحقق فائدة مباشرة للناس، وفي الوقت نفسه تتجنب القفز إلى ملفات قد تعيد انقسام بريكست إلى الواجهة بالشكل نفسه.
الرمز موجود، لكن التحول الأعمق مشروط
لذلك، فإن السؤال ليس هل الاتفاق رمزي أم حقيقي، بل أي نوع من الحقيقة يمثلها. هو ليس رمزاً فارغاً، لأن هناك نصاً قانونياً، وتمويلاً، وموعد بدء محدداً، ومؤسسة تنفيذ وطنية، ومساواة في الأهلية مع دول البرنامج. وهو في الوقت نفسه ليس تحولاً كاملاً، لأن مدته الحالية محدودة، ومراجعته قريبة، وامتداده إلى ما بعد 2027 يحتاج إلى قرار جديد، كما أن مسار إعادة بناء العلاقة البريطانية الأوروبية ما يزال متفاوت الوتيرة بين ملف وآخر.
النتيجة الأقرب إلى الوقائع أن اتفاق 15 نيسان يمثل خطوة مؤسسية ذات معنى سياسي يتجاوز حجمها المباشر، لكنه لا يكتمل إلا إذا تحول من استثناء ناجح إلى قاعدة قابلة للتوسع. عندها فقط يمكن القول إن العودة إلى إيراسموس+ كانت بداية تحول أعمق. أما الآن، فهي علامة واضحة على أن بريطانيا لم تعد تدير ظهرها لأوروبا بالطريقة نفسها، وأن أوروبا بدورها صارت مستعدة لاختبار شراكة جديدة، لكن على مراحل، وبنصوص محددة، وبهوامش محسوبة.
اقرأ أيضاً: بعد تطبيق (EES): فوضى في مطارات أوروبا .. هل فشل في اختباره الأول؟
إلغاء مشروع Camden Highline.. حين تصطدم المدن الخضراء بالأزمات الاقتصادية
إلغاء NHS England: هل تنجح الحكومة في إعادة مركزية القرار الصحي؟
إلى أين تتجه أسعار العقارات في أكسفورد؟
أزمة الثقة تضرب الأسواق البريطانية.. السياسة ترفع كلفة الاقتراض في المملكة المتحدة
بريطانيا في مضيق هرمز: drones وسفن وطائرات لحماية شريان النفط العالمي
هل التقارب البريطاني مع الاتحاد الأوروبي إنقاذ سياسي أم عودة خفية للبريكست؟
أفضل شركات الطيران في العالم: هل نجحت الشركات البريطانية في دخول القائمة؟
جفاف مبكر يهدد إنجلترا.. كيف تكشف أزمة الأنهار هشاشة الأمن المائي في بريطانيا؟
كيف نحافظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر؟
