يقدّم هذا المقال الذي كتبه البريطاني دانييل دي باتريس، والمنشور في The Telegraph، قراءة تميل إلى تفكيك الرواية الأمريكية حول “الانتصار” في المواجهة مع إيران. ينتمي هذا النوع من الكتابة إلى تقليد صحفي بريطاني يقوم على اختبار الخطاب السياسي ومقارنته بالوقائع الميدانية، حيث لا يُنفى الادعاء بشكل مباشر، بل يتم وضعه في الاختبار عبر تعريفه ضمن سياق أوسع يكشف حدوده. في هذا الإطار، يرى الكاتب أن ما يُقدَّم بوصفه نجاحاً عسكرياً لا يرقى إلى مستوى تسوية سياسية، وأن الفجوة بين الموقفين الأمريكي والإيراني ما زالت قائمة دون تغيير يُذكر.
مقال دانييل دي باتريس
كانت الأربع والعشرون ساعة التي تلت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران مربكة بقدر الساعات التي سبقته. فقد أصرّ الإيرانيون على أن دونالد ترامب قد رضخ لمقترحهم المؤلف من عشر نقاط لتحقيق السلام.
أما الأمريكيون فقد رفضوا هذا الطرح، وأعلنوا تحقيق انتصار عسكري كامل، حيث قام وزير الدفاع بيت هيغسيث Pete Hegseth بدور داعم على منصة البنتاغون، مدّعياً أن قدرات ترامب “شبه الإلهية” قد أحكمت الطوق حول طهران إلى درجة لم تترك لها خياراً سوى الاستسلام.
في الوقت نفسه، ذهب ترامب إلى حد القول إن الولايات المتحدة وإيران يمكن أن تتوصلا إلى ترتيب ما في مضيق هرمز، ربما عبر إنشاء نظام رسوم مشترك للسفن التي تستخدم هذا الممر لنقل بضائعها إلى الأسواق.
لكن ما هو أهم مما يُقال هو ما يحدث فعلياً على الأرض. فعلى الرغم من وقف إطلاق النار المؤقت، ستبقى القوات الأمريكية في المنطقة، جاهزة لتنفيذ ضربات في أي لحظة في حال حدوث أي خرق إيراني، سواء كان حقيقياً أو متصوَّراً. ومن المرجح أن يستغرق مضيق هرمز وقتاً قبل أن يعود إلى طبيعته، إذ إن مئات السفن لا تزال عالقة على جانبي الممر منذ أسابيع. أما مفاوضات السلام، فقد تُعقد في باكستان في وقت لاحق من هذا الأسبوع، رغم أن أياً من الوفدين الأمريكي أو الإيراني لم يؤكد ذلك حتى الآن.
ومع ذلك، فإن النقطة الأهم التي يجب تذكّرها هي أننا لم نخرج بعد من دائرة الخطر. فوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين الذي أعلنه ترامب وإيران يوم الأربعاء هو مجرد وقف مؤقت؛ الحرب متوقفة لفترة قصيرة فقط، ولم تنتهِ بشكل كامل. وعلى الرغم من أن وقف القصف يمنح السكان الإيرانيين بعض فسحة التنفس، وهو أفضل لهم من التصعيد الأمريكي الأكثر عنفاً الذي كان ترامب يتحدث عنه قبل 24 ساعة فقط، فإن هذا الاتفاق سيفشل إذا لم يتمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق متبادل ينهي الصراع.
والكلمة المفتاحية هنا هي “متبادل”. فلا شيء خلال اليوم الماضي يمنح أي ثقة بأننا أصبحنا أقرب إلى حل كامل للحرب. وبالاستناد إلى السجل العلني، فإن مواقف التفاوض لدى الولايات المتحدة وإيران لم تتغير قيد أنملة. وعلى الرغم من حديث ترامب عن إمكانية التعاون مع طهران لفرض رسوم على ناقلات النفط في مضيق هرمز، فإن القضايا التي أدت إلى الحرب أساساً — البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية، والسياسة الخارجية بشكل عام — لم تُحل بأي شكل من الأشكال من خلال هذا الاتفاق.
بل إن الحرب قد تكون منحت إيران نفوذاً أكبر مما كان لديها سابقاً؛ إذ يصعب تصور أن يقوم الحرس الثوري الإيراني بالتخلي عن السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم دون الحصول على ضمانات ملموسة من ترامب بأن الحرب لن تُستأنف لاحقاً.
ولا يزال ترامب يطالب إيران بالتخلي عن كامل برنامجها النووي، وإنهاء قدرات التخصيب، والتخلص من صواريخها الباليستية، وتسليم نحو 440 كغ من اليورانيوم عالي التخصيب الذي لا تزال تمتلكه.
وقد كتب ترامب على منصته “Truth Social” بعد وقف إطلاق النار: “لن يكون هناك أي تخصيب لليورانيوم، وستعمل الولايات المتحدة، بالتعاون مع إيران، على استخراج وإزالة كل ‘الغبار النووي’ المدفون بعمق (بواسطة قاذفات B-2).” وهذا هو الموقف نفسه الذي كان يتبناه عندما وافق على بدء المفاوضات مع إيران في كانون الثاني. ولم تؤدِ الحرب وتداعياتها — من ارتفاع أسعار النفط والوقود، إلى التهديد بزيادة التضخم واضطرابات الإمدادات — إلى تعديل موقفه بأي شكل يُذكر.
وبالطبع، لدى إيران أيضاً قائمة مطالبها الخاصة، وهي قائمة طويلة من الشروط التي سيجد ترامب صعوبة في قبولها. إذ تصر طهران على الاعتراف بحقها في التخصيب، وتطالب برفع كامل وواضح للعقوبات، وتعويضات عن أضرار الحرب، والحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز، إضافة إلى انسحاب عسكري أمريكي كامل من الشرق الأوسط. واحتمال قبول أي رئيس أمريكي بهذه الشروط يبدو ضئيلاً للغاية، ويقارب احتمال فوز نادي كريستال بالاس Crystal Palace بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز!
باختصار، إذا لم تستخدم واشنطن وطهران الأسبوعين المقبلين بشكل فعّال، واستمرتا في التمسك بمواقفهما القصوى، فإن التصعيد الذي هدّد به ترامب — والذي أثار قلقاً واسعاً حول العالم — قد يتحقق. وفي هذه الحالة، قد يتحول وقف إطلاق النار إلى مقدمة لحرب أطول وأكثر دموية، بدلاً من أن يكون بداية لسلام بارد.
اقرأ أيضاً: المدخرون في بريطانيا: إنّها “الفرصة الأخيرة”