تعيش المملكة المتحدة وخصوصاً مقاطعة كينت قلقاً كبيراً منذ أسبوع بسبب تفشي مرض المكورات السحائية من المجموعة بـ (MenB) بعد تسجيل عشرات الحالات من الوفيات والإصابات بين المؤكدة وغير المؤكدة. وعلى الرغم من أن هذه العدوى نادرة إلا أنها سريعة التطور في أعراضها وانتشارها خصوصاً بين المراهقين والشباب.
لفهم هذا التفشي وأسبابه وكيفية الوقاية منه، قالت الدكتورة ليانا وين Liana Wen وهي طبيبة طوارئ وأستاذة مساعدة سريرية في جامعة جورج واشنطن George Washington، وشغلت سابقاً منصب مفوضة الصحة في بالتيمور Baltimore أن مرض المكورات السحائية من المجموعة ب هو عدوى بكتيرية خطيرة قد تؤدي إلى التهاب السحايا أو تسمم الدم، أو أحياناً يحدث كلاهما معاً. وعلى الرغم من ندرة حدوثه، إلا أن سرعة تفاقم المرض تجعله حالة طارئة، حيث قد تتدهور حالة المريض الصحية خلال ساعات قليلة.
الوضع الحالي في مقاطعة كينت
بالنظر إلى وضع مقاطعة كينت Kent حتى الخميس الماضي، تم تسجيل 15 حالة مؤكدة مخبرياً و12 حالة مشتبه بها قيد التحقيق، ليصل المجموع إلى 27 حالة بحسب مسؤولو الصحة في المملكة المتحدة. وقد توفي شخصان، أحدهما طالبة في الصف السادس في مدرسة الملكة إليزابيث النحوية في فافرشام Fafresham، والآخر طالب جامعي من جامعة كينت لم يُكشف عن اسمه.
يبدو أن التفشي مرتبطاً بتعرض الشباب لفيروس كورونا في ملهى ليلي، مما يفسر سرعة ظهور هذه البؤرة. وعلى الرغم من شدة العدوى، يبقى الخطر الإجمالي على عموم الناس منخفضاً، لأن مرض المكورات السحائية نادر الحدوث. ومع ذلك، فلا بد من التركيز على التوعية بالحالات النادرة والخطيرة، خاصة في الأماكن ذات الاتصال الوثيق.
وبحسب المعلومات يمكن أن يكون مرض المكورات السحائية الغازية مميتاً حتى مع العلاج بنسبة 8% من الحالات، بينما قد يعاني الناجون من مضاعفات طويلة الأمد تصل إلى 15%، تشمل فقدان السمع أو تلف الأعصاب أو بتر الأطراف.
طرق الانتقال والفئات الأكثر عرضة للخطر
تنتشر بكتيريا المكورات السحائية عبر إفرازات الجهاز التنفسي والحلق، ويستلزم ذلك عادة اتصالاً مباشراً مثل مشاركة المشروبات أو أدوات الطعام. ولا تنتقل العدوى عن طريق الاتصال العابر.
تتوزع خطورة المرض على ثلاث فئات عمرية رئيسية أضعفها الرضع، بسبب ضعف مناعتهم وتعرضهم للعديد من الأمراض، والمراهقون والشباب، الذين يقضون وقتاً في بيئات اتصال وثيق، مثل السكن المشترك والتجمعات الاجتماعية، وهو ما يفسر ظهور التفشي في الملهى الليلي المرتبط به. في حين يؤثر المرض بشكل كبير على البالغين فوق 65 عاماً، أو المصابين بحالات طبية تزيد من خطر الإصابة، مثل ضعف الجهاز المناعي، أو الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، أو عدم وجود طحال فعال.
الأعراض والتشخيص
الأعراض المبكرة للمرض قد تبدو خفيفة وتشبه الأنفلونزا، مثل الحمى، والصداع، والتعب، والغثيان والقيء، وآلام العضلات. وهذه الأعراض قد تفسر بشكل خاطئ عند الشباب الأصحاء، بسبب اعتبارها مرض عابر.
إلا أن الحالة تتغير بشكل كبير بعد ساعات من الإصابة، حيث تبدأ الأعراض الأكثر شدة وخطورة بالظهور كالصداع الشديد، وتيبس الرقبة، وحساسية للضوء، وارتباك، وصعوبة في البقاء مستيقظاً، أو نوبات تشنج. كما يعد الطفح الجلدي الذي لا يزول عند الضغط عليه علامة تحذيرية رئيسية، لكنه لا يظهر لدى جميع المرضى.
ومن العلامات الأخرى المثيرة للقلق: برودة شديدة في اليدين والقدمين، وسرعة التنفس، وتغيرات في الحالة العقلية. لذلك ينصح الأطباء بالشك بوجود هذا المرض حتى لو لم تظهر كامل الأعراض السابقة، نتيجة التطور السريع للحالات.
إذا اشتبه في الإصابة، توصي الدكتورة ليانا وين بالتوجه الفوري إلى قسم الطوارئ وبدء العلاج بالمضادات الحيوية مباشرةً حتى قبل تأكيد التشخيص، إذ أن العلاج المبكر ضروري للغاية.
التعامل مع المخالطين والتطعيمات
بالنسبة للمخالطين المباشرين، مثل أفراد الأسرة أو الأشخاص الذين تعرضوا مباشرة للعاب المريض، ينصح بتناول المضادات الحيوية الوقائية. أما الأشخاص الذين لم يكونوا على اتصال وثيق فلا يحتاجون إلى ذلك.
والجدير بالذكر أنه تم توزيع آلاف الجرعات الوقائية على المخالطين والأشخاص الأكثر عرضة للخطر في مقاطعة كينت، بمن فيهم من ارتاد الملهى الليلي المرتبط بالتفشي، بهدف القضاء على البكتيريا قبل تطور المرض. إلا أن المضادات الحيوية الوقائية لا تغني عن العلاج، إذ يجب مراقبة الأعراض وطلب الرعاية الطبية الفورية عند ظهورها.
بالنسبة للتطعيم، هناك ثلاث فئات رئيسية:
لقاح MenACWY: يحمي من المجموعات A وC وW وY، ويعطى للمراهقين بجرعة أولى بين 11-12 عاماً وجرعة معززة في سن 16 عاماً.
لقاح MenB: يحمي من المجموعة B، وهي السلالة المسببة للتفشي في المملكة المتحدة. ينصح به للأشخاص 10 سنوات فأكثر الذين لديهم خطر أعلى، بما في ذلك المصابون بحالات مناعية معينة أو بدون طحال فعال، أو المعرضون للخطر أثناء تفشي المرض. وللمراهقين بين 16 و23 عاماً، توصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) باتخاذ قرار تطعيم MenB سريرياً، ويفضل سن 16-18 عاماً.
لقاح مركب حديث: يحمي من جميع المجموعات الخمس (A، B، C، W، Y) ويُستخدم في حالات محددة، مع استمرار تطوير الإرشادات الخاصة باستخدامه.
ومن المهم التأكيد على أن حماية MenB منفصلة عن التطعيم الروتيني للمراهقين، أي أن تلقي MenACWY لا يغني عن لقاح MenB.
الاستجابة لتفشي المرض في كينت
وقد أعلنت وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة أن عدد حالات التهاب السحايا المؤكدة أو المشتبه بها ارتفع من 29 إلى 34 حالة، مع تأكيد 23 حالة مخبرية و11 حالة قيد التحقيق.
استجابةً للتفشي، افتتحت السلطات خمسة مراكز تطعيم لتلقي لقاح المكورات السحائية:
- مستشفى الملكة إليزابيث الملكة الأم في مارغيت Margaret(العيادة الخامسة).
- المركز الرياضي بجامعة كينت في كانتربري Canterbury.
- مستشفى كينت وكانتربري.
- مركز فافرشام الصحي.
- عيادة فيكاريدج لين Vicarage Lane في أشفورد Ashford.
حتى الآن، تلقى 8002 شخصاً اللقاح منذ بدء التوزيع يوم الأربعاء، و12157 شخصاً تلقوا المضادات الحيوية الوقائية منذ إعلان التفشي يوم الأحد.
أكد البروفيسور شاميز لادهاني Shamiz Ladhani من وكالة الأمن الصحي البريطانية لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن التفشي تحت السيطرة، مشيراً إلى أن الرسالة الرئيسية للجمهور هي أن المخاطر محدودة وتعتمد على الاتصال الوثيق.
وصف نائب رئيس الجامعة الأسبوع الأخير بأنه “صعب للغاية”، وأكدت البروفيسورة جورجينا راندسلي دي مورا Georgina Randsley de Moura تعازيها للعائلات، مشيدة بسرعة وفعالية الاستجابة الطبية.
وكانت قد أصيبت أربع مدارس في كانتربري بحالات مؤكدة أو مشتبه بها، بينما جاءت نتائج اختبار مدرسة خامسة سلبية. المدارس المتضررة تشمل:
- مدرسة الملكة إليزابيث النحوية في فافرشام.
- مدرسة نورتون ناتشبول في أشفورد.
- مدرسة سيمون لانغتون النحوية للبنين في كانتربري.
- أكاديمية كانتربري.
في النهاية، على الرغم من أن مرض المكورات السحائية من المجموعة ب نادر لكنه خطير وسريع التطور. لذلك يعد الاطلاع على أعراضه ومتابعة العلاج يمكن أن يقلل من احتمالات الإصابة وتفاقم الحالة.
اقرأ أيضاً: في انتشار غير مسبوق: طيف التوحد في مدارس اسكتلندا