تومض شاشة هاتف في يد مراهق، فتبدو المحادثة عادية: صورة لملابس جديدة، تعليق ساخر، ثم طلب “جرّب ترسل لقطة أوضح”. هذه الخطوة الصغيرة قد تكون بداية سلسلة ضغط واستدراج، أو قد تتحول إلى تبادل صور بين زملاء يظنونها لعبة. وما يربك الأهل ليس أن الخطر موجود، بل أنه يتحرك بسرعة داخل تطبيقات يومية، ويتخفى خلف أسماء مستعارة، ويستغل التردد والخجل أكثر مما يستغل الجهل. لذلك لم يعد الحديث عن الأمان الرقمي رفاهية تربوية، بل جزءاً من حماية الطفل مثل حزام الأمان في السيارة.
استغلال الأطفال جنسياً عبر الإنترنت
في إنجلترا وويلز سُجلت خلال عام 2024 نحو 122,768 جريمة مرتبطة باستغلال الأطفال جنسياً وإساءة معاملتهم، بزيادة 6% عن العام السابق. اللافت أن الجرائم التي لها مكوّن إلكتروني ارتفعت 26% لتصل إلى 51,672 جريمة، أي 42% من الإجمالي، وهو ما وصفته قيادات شرطية بأنه أسرع تهديد نموّاً ويحتاج منعاً مبكراً قبل أن يصل إلى الطفل. وتقترح الشرطة أن تأتي هواتف الأطفال بحماية مدمجة تسمح بالوصول إلى منصات ومواقع آمنة فقط، لا إلى كل شيء افتراضياً دائماً.
طفل ضد طفل أحياناً
تكشف البيانات جانباً مزعجاً: قرابة نصف الجرائم كانت “طفل على طفل” ضمن الفئة العمرية 10 إلى 17 عاماً، وفي هذا المسار يتكرر نمط واحد أكثر من غيره، وهو مشاركة الصور غير اللائقة، التي شكّلت 64% من جرائم هذه المجموعة. معنى ذلك أن الوقاية لا تقتصر على تحذير الأطفال من الغرباء؛ فهي تتطلب أيضاً كسر ثقافة “الضغط لإرسال صورة” داخل الصداقات والعلاقات، وفهم أن إعادة الإرسال قد تتحول في دقائق إلى ابتزاز وتشويه سمعة لا يمكن سحبه من الإنترنت بسهولة.
المنصات بين الإبلاغ والتقصير
تظهر التقارير الشرطية أن منصات محددة تتكرر في البلاغات، وعلى رأسها Snapchat الذي ورد في 54% من التقارير، ثم WhatsApp وInstagram بنسب أقل. الشرطة تشيد بأن بعض الشركات تبلغ أكثر من غيرها، لكنها تنتقد تفاوت التزام المنصات في البحث الاستباقي عن المحتوى الضار، وتدعو إلى استخدام أدوات ذكاء اصطناعي تمنع رفع الصور غير القانونية من الأساس، بدلاً من مطاردة انتشارها بعد فوات الأوان.
حلقة ابتزاز رقمية جديدة
تزداد البلاغات عن “الابتزاز الجنسي” للمراهقين، حيث يهدد الجاني بنشر صور أو محادثات للحصول على مال أو صور إضافية. خطورة هذا النوع أنه يراهن على صمت الضحية، لذلك يجب أن يسمع الطفل رسالة واحدة واضحة: إذا هددك أحد، أوقف التواصل فوراً، لا تدفع ولا ترسل شيئاً، احتفظ بالأدلة، وتواصل مع بالغ موثوق أو جهة مختصة. عندما تصبح هذه الاستجابة قاعدة منزلية لا عقوبة فيها، تقل قدرة المبتز على التحكم.
التشريع أمام الذكاء الاصطناعي
الجانب التقني يتغير أيضاً مع انتشار المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي. الحكومة البريطانية أعلنت في 12 نوفمبر 2025 عن تشريع يهدف إلى “إيقاف الخطر عند المصدر” عبر تمكين جهات موثوقة، بما فيها جمعيات حماية الطفل، من اختبار نماذج الذكاء الاصطناعي والتأكد من وجود حواجز تمنع إساءة استخدامها. البيان استند إلى بيانات “مؤسسة مراقبة الإنترنت” التي قالت إن بلاغات مواد الاعتداء المُولدة بالذكاء الاصطناعي تضاعفت خلال عام واحد، من 199 في 2024 إلى 426 في 2025.
ماذا على الأهل والمدرسة أن يفعلوا؟
الحلول اليومية لا تحتاج تعقيداً: حوار عن الخصوصية، واتفاق عائلي حول الصور، ومراجعة إعدادات الحسابات، مع تشجيع الطفل على الإبلاغ دون خوف من اللوم. المدرسة يمكنها دعم ذلك عبر تعليم عملي عن الموافقة والحدود الرقمية، وبروتوكول يحمي الضحايا من التنمر ويعالج السلوك قبل أن يصبح جريمة. أما المنصات، فالمطلوب تصميم آمن افتراضياً، وتبسيط الإبلاغ، وشفافية في مشاركة البيانات مع الجهات المختصة، لأن استغلال الأطفال جنسياً عبر الإنترنت لا يتوقف بنصيحة واحدة، بل بمنظومة تتقاسم المسؤولية.
اقرأ أيضاً: كيف تجاوز الأطفال حظر وسائل التواصل الاجتماعي في أستراليا؟