لا يقتصر الاحتيال في بريطانيا على الأشخاص، بل يمكن أن يحتال مواطنون على الدولة عبر التهرب من دفع الفواتير أو المستحقات. لكن سيتغير الواقع منذ بداية شهر أكتوبر، حيث ستُطبَّق قواعد جديدة خاصة بالديون المستحقة لوزارة العمل والمعاشات التقاعدية، نتيجة تهرب البعض من دفع ديون الإعانات. ومع أن هذه القواعد ستكون صارمة على البعض، إلا أنها ستراعي أوضاع بعض المواطنين في حال كانوا جادين في عمليات الدفع.
وعلى الرغم من سعي الوزارة لتحصيل حقوقها، إلا أن قواعدها الجديدة ستكون تحت سقف محدود، فمثلاً لن تستطيع سحب أي مبلغ تريده من أي حساب، فهناك مجموعة من الشروط مع تقييم الوضع المالي، ووجود فرصة للتواصل مع الإدارة والاتفاق على طريقة مناسبة لسداد ديونهم.
من الحساب المصرفي مباشرة.. كيف ستسترد الوزارة أموالها؟
أول الطرق التي ستلجأ إليها الوزارة هي الحساب المصرفي، فبموجب قانون السلطات العامة (الاحتيال والخطأ والاسترداد) لعام 2025، ستستطيع الوزارة الوصول إلى صلاحيات جديدة لم تكن متاحة من قبل، ومنها أمر “الاقتطاع المباشر” من حساب المستدين.
وقد يكون الاقتطاع على شكل مبلغ واحد، أو دفعات منتظمة، بحسب الحالة وقدرة الشخص على السداد. والأمر المثير للاهتمام أن الوزارة لن تكون بحاجة إلى أمر قضائي مسبق لتنفيذ هذا الإجراء.
ورغم أن هذا الإجراء مسموح للوزارة، إلا أنها لن تتخذه بمجرد أن يكون لها دين على الشخص. فقبل الوصول إلى مرحلة السحب من حساب المستدين، تقوم الوزارة بتقييم وضعه المالي وقدرته الحقيقية على الدفع.
فمن لديه دخل محدود مثلاً أو ظروف مالية صعبة، ولا يستطيع تحمل مبلغ الاقتطاع، تتم مراعاة هذه الظروف بحيث لا يتسبب المبلغ المستقطع في أزمة مالية للشخص وأسرته.
لذلك من الأفضل أن يتواصل الشخص مع الوزارة قبل وصول القضية إلى مرحلة الاقتطاع، لأن الأخيرة توفر للمستدين فرصة التواصل معها للاتفاق على طريقة مناسبة لظروفه ودخله لسداد ما عليه.
وفي حال أثبت التقييم عدم قدرة الشخص على السداد، لن يتم تطبيق القواعد الجديدة، مثل الاقتطاع المباشر أو طلب حظر القيادة.
اقرأ أيضاً: قد تخسر آلاف الجنيهات: 4 مفاهيم خاطئة عن سحب المعاشات التقاعدية في بريطانيا
عندما لا يكفي الخصم من الإعانة.. قد تصل الإجراءات إلى رخصة القيادة
أكثر القواعد التي أثارت جدلاً في استرداد الوزارة لأموال الرعاية الاجتماعية هي إمكانية طلب حظر القيادة. ويُعد هذا الإجراء موجهاً بشكل خاص للأشخاص الذين لم يعودوا يتلقون إعانات من الوزارة ويرفضون سداد ديونهم، وفي الوقت نفسه لا تستطيع الأخيرة استرداد مستحقاتها بنفسها، ولا يمكنها اقتطاعها من الراتب عبر نظام الدفع حسب الكسب (Pay As You Earn – PAYE).
وفي حال فشلت محاولات استرداد الدين بطرق أخرى، وكان الشخص قادراً على الدفع لكنه يرفض ذلك، يمكن للوزارة أن تطلب من المحكمة إصدار أمر بحظر القيادة.
ورغم ذلك، فهناك شروط واضحة لتطبيق هذه الصلاحية، فإذا كان الدين أقل من 1000 جنيه إسترليني، لا يمكن للمحكمة التنفيذ، كما لا يجوز منع الشخص من القيادة إذا كانت لديه حاجة أساسية إلى رخصته.
فإذا كان الشخص مثلاً يعمل سائقاً أو مندوب توصيل، أو يعتمد عمله بشكل مباشر على قيادة السيارة، لن تستطيع المحكمة سحب رخصته، ونفس الأمر ينطبق على الأشخاص المسؤولين عن رعاية الآخرين. وهنا يستطيع الشخص تقديم إثباتات حاجته للرخصة أمام المحكمة.
أما إذا صدر أمر الحظر، فلا يمكن أن يتجاوز في المرة الواحدة عامين. وإذا استمر الدين بعد ذلك، يمكن للوزارة التقدم بطلب جديد وفق الضوابط القانونية.
ومن التسهيلات التي قدمتها الوزارة أن الشخص الذي صدر بحقه سحب الرخصة سيستطيع استخدامها في حال التزم بخطة السداد، حيث يتم هنا تعليق الحظر وينتهي مع انتهاء سداد الدين.
كما يمكن للشخص أن يستعيد رخصته أو يستبدلها عبر هيئة ترخيص السائقين والمركبات، من دون دفع رسوم إضافية إذا سدد الدين خلال 56 يوماً من صدور الحظر، أما إذا استمر الحظر لأكثر من 56 يوماً، فقد يحتاج إلى التقدم إلى الهيئة ودفع الرسوم المطلوبة.
رسالة أخيرة للمستدينين قبل بدء التطبيق في أكتوبر
بدأت الوزارة بإرسال الرسائل لآلاف الأشخاص الذين لديهم ديون مستحقة، وتدعوهم إلى التواصل معها لحل المشكلة قبل بدء استخدام الصلاحيات الجديدة تدريجياً اعتباراً من أكتوبر 2026.
وهذا يعني أن أمام المستدينين فرصة لتجنب الإجراءات التي تحدثنا عنها في الفقرات السابقة، خصوصاً إذا بادروا إلى التواصل مع الوزارة خلال الفترة المتاحة والاتفاق على خطة سداد يمكن تحملها. كما توفر الوزارة خاصية تقديم الاستشارات للأشخاص حتى يستطيعوا إدارة ديونهم.
وتجدر الإشارة إلى أن الخطة الحكومية تعمل على تفعيل صلاحيات أخرى تسمى “التحقق من الأهلية”، عبر طلب بيانات محدودة من البنوك والمؤسسات المالية، بهدف اكتشاف مدفوعات الإعانات غير الصحيحة بشكل أسرع، والتأكد في الوقت نفسه من حصول المستفيدين على المبالغ التي يستحقونها.
ولا تنفصل الإجراءات السابقة عن الخطة التي تعمل عليها الحكومة البريطانية لمحاربة الاحتيال والأخطاء والديون الخاصة بالإعانات. حيث تهدف إلى توفير 14.6 مليار جنيه إسترليني خلال خمس سنوات. وتشمل الخطة أيضاً توظيف ما يصل إلى 3000 موظف إضافي وتعزيز استخدام البيانات والتحليلات والتحقيقات.
ويقول وزير العمل والمعاشات أندرو ويسترن Andrew Western، إن النظام الجديد يستهدف من يستطيعون السداد لكنهم يرفضون ذلك، مع تأكيده أن الوزارة ستيسر الأمر بالنسبة للراغبين في الدفع.
باختصار، قريباً سيتم سحب رخص القيادة والاقتطاع من الحساب البنكي في حال كان المستدينون من الإعانات لديهم إمكانيات الدفع ولم يقوموا بذلك. ومن ينظر إلى الأمر بعين اقتصادية سيجد أن هذه الأموال مجمدة، في حين يمكن استغلالها في تحسين الخدمات الأساسية الأخرى.
اقرأ أيضاً: أخطاء إدارية تُغرق مقدمي الرعاية في الديون.. أزمة تتصاعد داخل نظام الإعانات البريطاني