أحداث مثيرة للقلق وأزمات سياسية متتابعة تعيشها الساحة السياسية البريطانية، وتعد أزمة الثقة بين الرأي العام والحكومة التي أطلقت وعوداً لم تستطع الوفاء بها ان أكبر هذه الأزمات، إذ برزت قضية نائبة رئيس الوزراء أنجيلا راينر Angela Rayner أحدث مثال على اتباع المسارات المثيرة للجدل كالإدلاء بتصريحات مؤكدة قبل التحقق الكامل من الحقائق.
أزمة الضرائب ونقطة التحول
تركزت القضية حول ما إذا كان يتوجب على راينر دفع ضريبة دمغة أعلى بمقدار 40 ألف جنيه إسترليني عند شراء شقتها الجديدة في مدينة هوف، بسبب امتلاكها عقارات أخرى، وعندما واجهتها صحيفة التلغراف telegraph بالأسئلة، أكد مكتبها أنها “دفعت الرسوم الصحيحة” وأن أي تشكيك “لا أساس له”، لكن المفاجأة أنه وفي اليوم ذاته طلبت مشورة ثانية من محامٍ متخصص في الضرائب، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى تراجعها عن الدفع وإحالة القضية إلى مستشار المعايير الوزاري.
في حين اختار زعيم حزب العمال كير ستارمر Keir Starmer الدفاع عن راينر ومهاجمة المنتقدين خلال فترة الغموض الذي لف القضية، ووصفهم بأنهم يشنون “حرباً طبقية”، وقد تزامن هذا الدفاع الصارم مع الوقت الذي كانت فيه الحقائق قيد المراجعة من جانب المحامين، وفي النهاية، اعترفت راينر بخطأ تقديرها، ملقية باللوم على النصائح القانونية غير الدقيقة التي تلقتها، قبل أن تضطر للاستقالة.
والجدير بالذكر أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، فقد تكررت مواقف مشابهة من قبل الحكومة، سواء في قضايا الوعود الضريبية، أو خطط الرعاية الاجتماعية، أو حتى تأكيدات ستارمر السابقة بعدم وجود تعديل وزاري، ليتبين في وقت لاحق أن التعديلات متلاحقة، ما يجمع بين هذه الأمثلة هو إصدار وعود أو تصريحات مطلقة، ليتبين لاحقاً أنها غير دقيقة أو غير قابلة للتنفيذ.
قضية راينر والدرس المستفاد
توصل تحقيق داونينغ ستريت Downing Street إلى أن راينر تجاهلت تحذيرات صريحة بشأن وضعها الضريبي، وكان عليها أن تسعى منذ البداية إلى استشارة متخصصة، هذا التجاهل، مترافق مع التصريحات المتسرعة من جانبها بالإضافة إلى تصريحات ستارمر، مما سلط الضوء على مشكلة أعمق وهو الميل إلى الحديث بحسم قبل التأكد من الوقائع وتنفيذها.
لم تمر هذه القضية مرور الكرام، ولم يقتصر أثرها الحقيقي على الجانب القانوني أو المالي فقط، بل يمتد إلى جوهر العلاقة بين الحكومة والجمهور، فعندما تصدر تصريحات رسمية ثم يتم اكتشاف حقيقتها سواء بأنها مضللة أو غير صحيحة حتى إن لم تكن مقصودة، فإن ذلك يؤدي إلى فقدان الثقة بين المواطنين والحكومة وعدم تصديقهم في أي كلام يقولونه.
حزب العمال يعيد ترتيب صفوفه
بعد الخضة السياسية التي عاشتها حكومة كير ستارمر عقب استقالة أنجيلا راينر من مناصبها كنائبة لرئيس الوزراء ووزيرة الإسكان ونائبة زعيم حزب العمال، إثر قرار رئيس قسم الأخلاقيات في مكتب رئيس الوزراء، السير لوري ماغنوس Laurie Magnus، الذي قضى بأنها خالفت القواعد بدفع رسوم طوابع أقل من قيمتها الحقيقية بمقدار 40 ألف جنيه إسترليني على شقتها في هوف Hoff، كان لا بد من ستارمر أن يعيد ترتيب بيته الحكومي لسد الفراغ الذي خلفه منصب راينر.
لذلك أجرى كير ستارمر سلسلة من التغييرات لإعادة ضبط حكومته، فقد تم تعيين ديفيد لامي David Lammy نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للعدل بدلاً من منصب وزير الخارجية، في حين تولت إيفيت كوبر Yvette Cooper وزارة الخارجية.
أما شبانة محمود فقد انتقلت من وزارة العدل إلى وزارة الداخلية لمواجهة أزمة القوارب الصغيرة، ولأول مرة في تاريخ بريطانيا، تشغل النساء جميع المناصب الكبرى في الدولة بعد رئيس الوزراء، كوزارة الداخلية، ووزارة الخارجية، ووزارة المالية.
واستمرت التغييرات لتطال وزارات أخرى، فتولى بات ماكفادين Pat McFadden وزارة جديدة للعمل والمعاشات مع مسؤولية المهارات، وستيف ريد Steve Reed أصبح وزيراً للإسكان تاركاً وزارة البيئة لإيما رينولدز Emma Reynolds.
أما دوغلاس ألكسندر Douglas Alexander عاد إلى مجلس الوزراء كوزير لاسكتلندا، بعد إقالة إيان موراي Ian Murray، وآلان كامبل Alan Campbell حل محل لوسي باول Lucy Powell كزعيم لمجلس العموم، وبيتر كايل Peter Kyle أصبح وزيراً للأعمال، وليز كيندال Liz Kendall وزيرة للتكنولوجيا، كما تولت دارين جونز Darren Jones دور ماكفادين السابق في مكتب مجلس الوزراء.
وبالرغم من هذه التغييرات، فقد حافظ بعض الوزراء على مواقعهم، من بينهم وزيرة المالية راشيل ريفز Rachel Reeves، ووزيرة التعليم بريدجيت فيليبسون Bridget Philipson، ووزير الطاقة إد ميليباند Ed Miliband، ووزيرة الثقافة ليزا ناندي Lisa Nandy، ووزيرة النقل هايدي ألكسندر Heidi Alexander، ووزير الصحة ويس ستريتنج Wes Streeting.
بعد رحيل راينر عن منصب نائب الزعيم سيشهد حزب العمال منافسة قوية بين توجهات الحزب المنقسمة، فقد لعبت راينر دور أساسي في التوازن بين الفصائل المختلفة منذ انتخابها عام 2020، والآن يتعين على المرشحين المحتملين الحصول على دعم 80 نائباً في البرلمان، إلى جانب تأييد من الدوائر الانتخابية والنقابات العمالية.
يعمل ستارمر على تصدير وجوه جديدة في حكومته لإعادة بناء الثقة مع الرأي العام، وقادرة على التعامل مع ملفات معقدة مثل الهجرة والطاقة والاقتصاد، لكن في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام جدل داخلي حول توجهات الحزب ومكانة التيارات المختلفة داخله.
اقرأ أيضاً: ارتفاع الضرائب يهدد بزيادة الأسعار مجدداً في بريطانيا!