تخبطات كبيرة يعيشها قطاع الأدوية في بريطانيا، وكان لأمريكا جزءاً من هذا التخبط عبر الرسوم الجمركية التي فرضها على الدول، وقد كنا قد كتبنا سابقاً عن أسعار الأدوية في بريطانيا وطريقة تأثرها جراء هذه الرسوم، وبذلك يبدو أن المشكلة مستمرة.
فقد صرّح الرئيس التنفيذي لشركة الأدوية إيلي ليلي Eli Lilly أن المملكة المتحدة “قد تكون الأسوأ في أوروبا” من حيث أسعار الأدوية، في ظل خلاف متصاعد بين الحكومة وشركات الأدوية.
وأوضح ديف ريكس Dave Rex أن نظام التسعير الصارم المعمول به في بريطانيا، والذي يتيح لها الحصول على الأدوية بأسعار أقل مقارنةً بمعظم الدول المتقدمة، قد يحرمها من طرح أدوية جديدة إذا لم ترفع الأسعار وتلغِ آلية الخصومات. وقال: “ما لم يحدث تغيير، فلن تشهد المملكة المتحدة طرح العديد من الأدوية الجديدة أو استثمارات كبيرة. هذا خيارها، ونحن نتعامل معه على هذا الأساس.”
تأتي هذه التصريحات في وقت علّقت فيه كبرى شركات الأدوية أو ألغت ما يقارب ملياري جنيه إسترليني من الاستثمارات المخطط لها في بريطانيا منذ بداية العام، وسط ضغوط من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لخفض أسعار الأدوية للأمريكيين لتتساوى مع ما يُدفع في الدول الأخرى.
وتسعى الشركات لإقناع الحكومة بإعادة التفاوض حول اتفاقية VPAG، وهي منظومة تسعير طوعية تهدف للسيطرة على تكاليف هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS). غير أن الزيادة الكبيرة في إنفاق الهيئة على الأدوية الحديثة أدت هذا العام إلى رفع الخصم المفروض على الشركات بمقدار الربع تقريباً. وعلّق ريكس قائلاً: “نرغب في إلغاء مخطط الاسترداد الذي يعاقبنا على نجاحنا.”
خلال الأشهر الماضية، انسحبت عدة شركات من مشاريع ضخمة في بريطانيا مثل MSD فقد ألغت مركز أبحاث في لندن بتكلفة مليار جنيه إسترليني، كما أوقفت AstraZeneca خطة توسعة بقيمة 200 مليون جنيه إسترليني في كامبريدج، إضافة إلى مشروع آخر في ليفربول.
بالنسبة لإيلي ليلي كانت قد أغلقت مختبر في لندن من ضمن استثمار لها بقيمة 279 مليون جنيه إسترليني، أما شركة بريستول مايرز سكويب Bristol-Myers Squibb فقد هددت بعدم طرح دواء جديد للفصام في السوق البريطانية.
وبذلك، تم تعليق أو إلغاء مشاريع تفوق قيمتها 1.8 مليار جنيه إسترليني منذ بداية العام، ليصل إجمالي القرارات السلبية بحق الصناعة منذ 2022 إلى 13 مشروعاً أو شركة، تضمن بعضها إغلاقات وانسحابات من البورصة. وقال ريكس: “يسألوننا: لماذا نلغي الاستثمارات؟ ببساطة لأنها بيئة غير جاذبة.”
من جهة أخرى رفعت شركة ليلي في الشهر الماضي سعر عقار إنقاص الوزن الشهير “مونجارو” في بريطانيا بنسبة وصلت إلى 170% للمشترين من القطاع الخاص. وأوضح ريكس: “لاحظنا أن بعض الأشخاص يسافرون من باريس إلى لندن لشرائه. هذا غير منطقي.”
في المقابل، أعلنت الشركة هذا الأسبوع عن استثمار ضخم بقيمة 6.5 مليار دولار لبناء منشأة تصنيع في هيوستن، مشيرةً إلى أن التوقيت غير مرتبط بمهلة 29 سبتمبر التي حددها ترامب للشركات لتقديم التزامات بخفض الأسعار.
ترامب جزءاً من مشكلة الأدوية
وتستمر إدارة ترامب بمواصلة ضغطها لتخفيض أسعار الأدوية الأمريكية إلى المستويات المعمول بها في الدول المتقدمة، وهو ما ترفضه شركات الأدوية. وقال ريكس ساخراً: “هل ستقاضينا وزارة العدل إذا لم نتوصل لاتفاق؟ ربما. هل ستوقف هيئة الغذاء والدواء الموافقات؟ ربما.”
وكان ترامب قد جدد مؤخراً دعواته، ضارباً مثالاً بعقاقير السمنة التي تتجاوز تكلفتها في الولايات المتحدة 1000 دولار، مقابل أقل من 100 دولار في لندن، معلقاً: “نحن من يدعم بقية العالم.”
وعلى هذا فإن مشكلة أسعار العقاقير والدواء في بريطانيا مستمرة طالما أن الحكومة لا تستطيع فرض اجراءات تحد من التكاليف الكبيرة لصناعتها، وطالما لم توفر بيئة جاذبة لأصحاب الشركات.
اقرأ أيضاً: الرسوم الجمركية الأمريكية تؤثر على القطاع الدوائي البريطاني