شهدت حياة الأمير هاري “Harry” تحولاً كبيراً في السنوات الأخيرة، فبعد أن كان محوراً للجدل إثر تخليه عن واجباته الملكية وانتقاله للعيش في الولايات المتحدة، عاد ليقدم رسالة تصالح ودعم إنساني خلال جولة لافتة في المملكة المتحدة وأوكرانيا. فهذه الجولة لم تكن مجرد زيارة عابرة، بل كانت فرصة لإعادة التواصل مع عائلته، وبالأخص والده الملك تشارلز الثالث “King Charles III”، بالإضافة إلى تسليط الضوء على قضايا مهمة وإظهار دعم سخي للمحاربين القدماء والأطفال المحتاجين.
من مذكرات “سبير” إلى غصن الزيتون
منذ انتقاله إلى كاليفورنيا في عام 2020 مع زوجته ميغان “Meghan” وطفليهما آرتشي “Archie” وليليبت “Lilibet”، عاش الأمير هاري بعيداً عن الأضواء الملكية. وكانت مذكراته التي صدرت في عام 2023 بعنوان “سبير – Spare” بمثابة قنبلة، حيث كشف فيها عن معاناته في كنف العائلة المالكة، ورغم أن الكتاب حقق شعبية لدى البعض، إلا أنه أغضب مؤيدي الملكية.
بالإضافة إلى مذكراته، انخرط هاري في معارك قانونية عدة في بريطانيا، خاصةً ضد المؤسسات الإخبارية بتهمة التشهير وانتهاك الخصوصية، وحقق فيها بعض الانتصارات. إلا أنه خسر قضيته ضد وزارة الداخلية حول من يتحمل تكاليف حراسته الأمنية أثناء وجوده على الأراضي البريطانية. ومع ذلك، يبدو أن الأمير قد قرر تقديم غصن الزيتون بمثابة علامة للسلام مع العائلة والمملكة المتحدة، وظهرت بوادر ذلك في زيارته الأخيرة.

عودة عاطفية إلى الوطن
بدأت رحلة هاري بعودته إلى بلاده لإحياء ذكرى وفاة جدته، الملكة إليزابيث الثانية “Queen Elizabeth II”، والتي توفيت قبل ثلاث سنوات. الأمر الذي أثار تكهنات حول احتمالية تصالحه مع والده، الملك تشارلز الثالث، خاصة وأنهما لم يلتقيا منذ 19 شهراً. خاصة أن هاري كان قد أعرب عن حزنه العميق لهذا التباعد، مشيراً إلى أن والده لا يتحدث معه بسبب الأمور الأمنية كما صرح لإحدى الإذاعات الأمريكية في مايو.
وصل هاري إلى مطار هيثرو “Heathrow” وتوجه مباشرةً إلى كنيسة سانت جورج “St George” بقلعة وندسور “Windsor”، حيث قام بوضع أكاليل الزهور في ذكرى جدته التي كان يتحدث عنها دائماً بشوق وحرقة، مؤكداً دعمه لها إلى الأبد. وفي نفس الليلة، حضر الأمير حفل جوائز “ويل تشايلد – WellChild”، وهي مؤسسة خيرية يرعاها منذ 17 عاماً وتدعم الأطفال المصابين بأمراض خطيرة.
وخلال الحفل، كان الأمير حريصاً على التفاعل مع الأطفال ومقدمي الرعاية، كما أدلى بتعليق مؤثر عن علاقة الأشقاء خلال حديثه مع ديكلان بيتميد، الحائز على جائزة “ويل تشايلد”، والبالغ من العمر 17 عاماً، مما أعاد علاقته المتوترة مع شقيقه الأمير ويليام “William” إلى الواجهة، خاصةً بعد أن كشف هاري في مقابلة عام 2023 عن انزعاجه من طلب ويليام التظاهر بعدم معرفتهما ببعضهما في المدرسة.
علاقة متوترة بين الشقيقين
رغم أن زيارة هاري كانت تهدف إلى التصالح، إلا أن العلاقة مع شقيقه الأمير ويليام لم تشهد أي تحسن. فقد تواجد الشقيقان في لندن في نفس الوقت لكن في مناسبات منفصلة، فبينما كان هاري يزور مشروع تابع لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) لدعم الأطفال المتضررين من العنف وتبرع شخصياً بمبلغ 1.1 مليون جنيه إسترليني، كان الأمير ويليام يزور استوديوهات سيمفوني في لامبيث “Lambeth”، وهي مؤسسة تقدم دروساً موسيقية في نفس مكان وجود “سبيرال سكيلز – Spiral Skills”، وهي مؤسسة خيرية لمساعدة المشردين من الشباب يدعمها وريث العرش من خلال مؤسسته الخيرية “هوموارد – Homeward”.
لطالما كانت علاقة الشقيقين محط اهتمام وسائل الإعلام، وبلغت ذروتها في كتاب “سبير”، حيث اتهم هاري شقيقه ويليام بالاعتداء الجسدي عليه، قائلاً: “أمسكني من ياقتي، ومزق قلادتي، وطرحني أرضاً”. هذه الحادثة، التي رواها هاري، أظهرت حجم التصدع بينهما، وبعد حضورهما حفل تتويج والدهما في عام 2022، لم يظهرا معاً علناً منذ ذلك الحين.
لقاء الشاي مع الملك تشارلز
شهد يوم الأربعاء لقاءً طال انتظاره بين الأمير هاري ووالده، الملك تشارلز الثالث. وقبل اللقاء، قام هاري بزيارة مركز دراسات إصابات الانفجارات في لندن، حيث تبرع بمبلغ 150 ألف دولار عن طريق مؤسسة آرشويل “Archwell”، بالإضافة إلى 200 ألف دولار لمنظمة الصحة العالمية لدعم عمليات الإجلاء الطبي من غزة و150 ألف دولار لمساعدة منظمة إنقاذ الطفولة في دعمها الإنساني في غزة.
اجتماع الأب والابن استغرق 52 دقيقة في كلارنس هاوس “Clarence house”، وكان هذا اللقاء الأول بينهما منذ زيارة هاري الطارئة في عام 2024 بعد تشخيص الملك بالسرطان. ورغم أن تفاصيل الاجتماع بقيت سرية، إلا أن هاري طمأن الصحافة على صحة والده، وقد أثار هذا التقارب آمالاً بأن يرى الملك أحفاده قريباً.
لكن يبدو أن هذا اللقاء لم يُسرّ الأمير ويليام، حيث نقل أحد الصحفيين عن مصدر ملكي: “لو استُشير، لكان حاول منعه”، وهذا يكشف عن استمرار التوتر داخل العائلة.
دعم المحاربين القدامى في أوكرانيا
اختتم الأمير هاري جولته بحضور حفل توزيع جوائز ديانا في لندن، ومن ثم استقل قطاراً إلى كييف برفقة فريقه من ألعاب إنفيكتوس “Invictus”، حيث كان قد تلقى دعوة شخصية من منظمة “سوبرهيومنز- Superhumans” لدعم المصابين جراء الحرب مع روسيا.
في أوكرانيا، التقى هاري بالمحاربين القدامى وشارك في حلقة نقاش في المتحف الوطني لتاريخ أوكرانيا في الحرب العالمية الثانية. وخلال مشاركته، أكد على أهمية دعم المحاربين القدامى، مستخدماً تجربته الشخصية كمحارب قديم. حيث قال هاري: “مهما كانت الأيام مظلمة، هناك نور في نهاية النفق، سيكون هناك دائماً من يُساندكم”.
اقرأ أيضاً: هل يخطط الأمير هاري للعودة إلى العائلة المالكة؟
كما قدم الأمير تعازيه في موقع تعرض لهجوم روسي، حيث أظهر تعاطفاً كبيراً مع الشعب الأوكراني، وذلك وفقاً لمنشورات قائد الجيش الأوكراني تيمور تكاتشينكو “Tymur Tkachenko” على تيليجرام في 13 أيلول، حيث كتب: “المباني المدمرة هي لغة عالمية، ألمنا أيضاً لا يحتاج إلى ترجمة. ونحن ممتنون للأمير هاري على اهتمامه بمعاناتنا، وعلى تعاطفه الصادق.”
هذه الزيارة الإنسانية الناجحة أسهمت في تحسين صورته العامة، وأثبتت أن دوره يمكن أن يتجاوز كونه عضواً في العائلة المالكة.