تواجه آلاف العائلات المهاجرة المقيمة بشكل قانوني في المملكة المتحدة حالة متزايدة من القلق، وذلك بعد الإعلان عن اقتراحات حكومية تعقّد الحصول على الإقامة الدائمة. حيث حذرت منظمات المجتمع المدني وخبراء من أن هذه الاجراءات الجديدة قد تدفع بالعائلات نحو التخلي عن إعانات يحصلون عليها بالقانون حتى لا يشملهم القرار الجديد، مما يعني زيادة في الضغوط المالية والنفسية عليهم. كما تم وصف الاجراءات هذه بأنه “عقاب” لكل مهاجر يستخدم الأموال العامة، وهذا ليس مستغرباً بعد الحملة الواسعة التي قامت بها الحكومة البريطانية في إطار تشديد قوانين الهجرة، والشروط القانونية للاستقرار ببريطانيا بالنسبة للمهاجرين.
مسار الإقامة بين التكلفة والعقوبات المحتملة
في تفاصيل الخبر، يعيش أكثر من 200 ألف شخص في المملكة المتحدة ضمن ما يعرف بمسار العشر سنوات للحصول على الإقامة الدائمة. وبحسب هذا المسار يجب على المهاجرين الشرعيين تجديد تأشيراتهم كل 30 شهراً أربع مرات متتالية قبل أن يصبحوا مؤهلين للتقدم بطلب الحصول على إذن الإقامة غير المحدد المدة. وتبلغ تكلفة كل تجديد 3908.50 جنيه إسترليني، شاملة رسوم الرعاية الصحية، مما يجعل الطريق نحو الاستقرار طويلاً ومكلفاً، مادياً ومعنوياً.
بموجب المقترحات التي طرحتها وزيرة الداخلية شبانة محمود، فإن أي شخص يستخدم الأموال العامة “حتى لو كان يعمل” قد تتضاعف مدة انتظاره من 10 سنوات إلى 20 سنة. وتطرح الحكومة ما تسميه “نموذج التسوية المكتسبة”، حيث تبقى فترة التأهيل الأساسية عشر سنوات، لكن تضاف عليها خمس سنوات إضافية لمن استخدموا الأموال العامة لمدة تقل عن 12 شهراً، وعشر سنوات إضافية لمن استخدموها لفترة أطول.
وعلى الرغم من أن المقترحات تشير إلى إمكانية تقليص الفترة الأساسية في حال توافر شروط معينة مثل الكفاءة في اللغة الإنجليزية، والدخل الخاضع للضريبة، والعمل في الخدمة العامة، والتطوع، أو كون الشخص أحد الوالدين أو أبناء مواطن بريطاني، فإنها تنص بوضوح على أن السنوات الإضافية سيكون لها الأولوية على أي تخفيض محتمل، ما يعني عملياً أن استخدام الإعانات قد يطيل الطريق إلى حد كبير.
وقد أثار هذا الاحتمال مخاوف كبيرة بشأن التكلفة والضغط النفسي وحالة انعدام الاستقرار الذي قد يترافق مع رحلة انتظار الحصول على الإقامة الدائمة، وتأثيره على المخططات المهنية والعائلية للأسر المهاجرة. وقد عبر أحد المهاجرين عن إحباطه قائلاً: “يبدو الأمر وكأنك مجبر على الاختيار بين الاستقرار والبقاء على قيد الحياة. عشر سنوات من الإجراءات الورقية، وعشر سنوات من المعاناة النفسية، ومع ذلك ستضاف إليها أعباء أخرى. ماذا تحاولون إخبارنا به؟ سنستمر في معاقبتكم لأن عشر سنوات ليست كافية”.
انعكاسات المقترحات على العائلات والأطفال
حذرت مؤسسة Ramfel وهي منظمة خيرية معنية بالهجرة، من أن العائلات المتأثرة لن يكون أمامها خيار سوى التوقف عن استخدام الأموال العامة مثل إعانة الطفل، والائتمان الشامل، والإعفاءات الضريبية، وإعانات الإعاقة، إذا تم تطبيق القرار. وقال نيك بييلز Nick Beals، رئيس قسم الحملات في رامفيل Ramville، إن العواقب قد تزيد عمل بعض الآباء 80 ساعة أسبوعياً وتفاقم فقر الأطفال، مضيفاً أن أبحاث المؤسسة تظهر أن هذه الخطط قد تدفع أطفالاً بريطانيين من الأقليات العرقية إلى مزيد من الفقر، ووصف ذلك بأنه اجراء قاسي سيؤثر فيهم على المدى القريب والبعيد.
من جهتها، قالت منظمة AdviceUK، وهي أكبر شبكة للمستشارين المستقلين في المملكة المتحدة، إن الاستشارة التي أطلقتها محمود زادت من انعدام الأمن والقلق بين المهاجرين وعائلاتهم الذين يحاولون تسوية أوضاعهم. وقد انتهت المشاورات في 12 فبراير، ومن المتوقع أن تدخل التغييرات حيز التنفيذ بحلول أبريل.
وتظهر الحالات الفردية حجم التأثير المحتمل. فتقول إحدى الأمهات العاملات كمقدمة رعاية، وممن لم يتبقى لديهم سوى سنة واحدة للحصول على الإقامة الدائمة. أنها ألغت جميع الإعانات التي كانت مستحقة لها بالقانون، بما في ذلك إعانة السكن، والإعانة الشاملة، وبدل المعيشة لذوي الإعاقة البالغ 103.10 جنيهات إسترلينية أسبوعياً لابنتها المصابة بالتوحد على الرغم من حاجتها لها، خوفاً من أن يؤدي استمرارها في تلقي الإعانات إلى إضافة 20 عاماً إلى مسارها. وبذلك القانون الذي منحها هذه الإعانات بسبب انخفاض راتبها، يساومها اليوم عليه للحصول على الإقامة الدائمة.
أما على مستوى البيانات، فقد أجرى رامفيل استطلاعاً شمل 68 من الآباء، جميعهم من أصول غرب أفريقية وجنوب آسيوية وكاريبية، إضافة إلى مجموعات نقاش مع خمسة آخرين. ومن بين 51 مشاركاً يستخدمون الأموال العامة، قال 44 منهم، أي نحو 90%، إنهم سيتخلون عنها لتجنب العقوبات المحتملة، رغم مخاوفهم من التشرد والديون وصعوبة تغطية تكاليف السكن والطعام وفواتير الوقود والرحلات المدرسية، إلى جانب القيود المرتبطة بتكاليف رعاية الأطفال ومسؤوليات الرعاية.
وجاء في تقرير رامفيل أن من بين 134 طفلاً شملهم الاستطلاع، كان أكثر من 50% منهم مواطنين بريطانيين. ويرى التقرير أن المقترحات تنشئ نظام تسوية ذا مستويين يعاقب ذوي الدخل المنخفض ويجبر العائلات على الاختيار بين احتياجاتهم المعيشية الفورية وأمنهم القانوني طويل الأجل.
والجدير بالذكر أنه عند إطلاق المشاورات في نوفمبر، قالت شبانة محمود إن المملكة المتحدة بنت ديمقراطية متعددة الأديان والأعراق تقوم على التسامح مع الاختلاف، لكنها تتطلب المساهمة والاندماج، معتبرة أن الحصول على فرصة ليكون الشخص جزءاً دائماً من هذا البلد ليس حقاً بل امتيازاً يجب اكتسابه.
في النهاية، في حال تم تطبيق هذا القرار فإن الكثير من العائلات المهاجرة ستكون أمام اختيارات صعبة، إذ أن الحديث عن هذا القرار والجدل الذي رافقه يجعله وكأنه مساومة على الكلفة الإنسانية مقابل الحصول على الإقامة الدائمة. وهذا بحد يعد ظلم للكثير من العائلات.
اقرأ أيضاً: قواعد سفر جديدة قد تمنعك من دخول بريطانيا.. تعرف عليها