تشكل الإيجارات تحدي كبير أمام سكان بريطانيا في ظل صعوبات المعيشة والعمل، وارتفاع الضرائب، وبالرغم من محاولات الحكومة البريطانية تخفيف الأعباء، إلا أن التاثير غالباً ما يكون ضعيف، فقد شهد سوق الإيجارات في بريطانيا انخفاض ملحوظ منذ خمس سنوات، وجاء ذلك نتيجة لانخفاض الرهن العقاري الذي خفض بدوره الضغط على الإيجارات.
وبحسب وكالة العقارات هامبتونز بلغت نسبة التراجع في متوسط إيجار العقارات الجديدة تراجع 0.2% في يوليو بالمقارنة مع العام الماضي، وبذلك يعد هذا أول انخفاض سنوي منذ أغسطس 2020، خلال فترة جائحة كورونا، وبالرغم من هذا الإنخفاض، إلا أنه يحمل في جعبته اختلافات كبيرة بين المناطق.
أسباب ارتفاع الإيجارات سابقاً
تعود أسباب ارتفاع الإيجارات في السنوات الماضية لزيادة الطلب على الإيجار مقارنة بقلة المعروض، كما أثرت جائحة كورونا كثيراً، فقد غيرت في أنماط السكن والعمل، ومن ناحية أخرى تحمل الملاك تكاليف إضافية بسبب ارتفاع أسعار الفائدة.
لكن بعد خمسة تخفيضات في أسعار الفائدة خلال العام الماضي، تراجعت تكاليف الرهن العقاري على بعض الملاك، ما قلل حاجتهم لرفع الإيجارات، بالإضافة إلى أن انخفاض أسعار الرهن العقاري شجع بعض المستأجرين على التفكير في شراء منازلهم، مما خفّض الطلب على الإيجار.
الفوارق الإقليمية
تختلف أسعار الإيجارات بشكل كبير بين مناطق المملكة المتحدة، فقد تجد منطقة الإيجار فيها غالي جداً بالرغم من الانخفاض العام، وقد سجلت لندن الكبرى أكبر انخفاض، حيث تراجعت الإيجارات بنسبة 3% سنوياً في يوليو، وهو الانخفاض السابع على التوالي وأكبر تراجع منذ مايو 2021.
بينما كان معدل الانخفاض بطيء في شمال إنجلترا خلال العام الماضي، أما في ويلز فقد تراجعت الإيجارات للشهر الثالث على التوالي في يوليو، وكذلك في شمال شرق إنجلترا ويوركشاير وهامبر.
على الجانب الآخر، ارتفعت الإيجارات في 7 مناطق من أصل 11 أبرزها إيست ميدلاندز (+3.4%)، وست ميدلاندز (+2.7%)، جنوب غرب إنجلترا (+2.6%).
متوسط الإيجارات
رغم هذا الانخفاض الخفيف إلا أنه لا يزال متوسط الإيجار الشهري لعقار جديد 1,373 جنيهاً إسترلينياً، وهو أعلى بنحو 350 جنيهاً إسترلينياً (34%) مما كان عليه في أغسطس 2020، أما بالنسبة للمستأجرين بعقود قائمة، ارتفعت الإيجارات بنسبة 4.5% في يوليو.
وقد ذكر موقع Rightmove الشهر الماضي أن سوق الإيجار يتباطأ بعد “حمى الجائحة”، بفضل زيادة العروض بنسبة 15% بالمقارنة مع العام الماضي، كما أشار بنك باركليز أن المستأجرين ينفقون نحو 30.8% من دخلهم الصافي على الإيجار، بينما ينفق ملاك المنازل نحو 26.6% من دخولهم على القروض العقارية.
في حين أظهرت بيانات هامبتونز أن 20% من شركات شراء العقارات للتأجير التي تأسست في بريطانيا عام 2025 مملوكة لأجانب، مقارنة بـ 13% عام 2016، ويعد المستثمرون الهنود أكبر مجموعة مستثمرة في مجال الإيجارات، يليها النيجيريون، البولنديون، الأيرلنديون، والإيطاليون، أما حصة المستثمرين من الاتحاد الأوروبي فانخفضت من 65% عام 2016 إلى 49% عام 2025، بسبب “بريكست”.
أزمة القدرة على تحمل الإيجارات
كما ذكرنا سابقاً، بالرغم من الانخفاض الطفيف في أسعار الإيجار إلا أنه لا يزال مرتفعاً بالنسبة لمدخول المواطنين، فقد أظهرت أرقام مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS) أن المستأجرين في إنجلترا يدفعون في المتوسط 36.3% من دخلهم على الإيجار في 2024، مقارنة بـ 34.2% في 2023.
ويبلغ متوسط الإيجار في العاصمة لندن 1,957 جنيهاً إسترلينياً شهرياً أي بنسبة تصل إلى 41.6%، كما أنه في بعض الأحياء مثل كينسينغتون Kensington وتشيلسي Chelsea، يضطر أصحاب الدخل المتوسط لدفع 74.3% من دخلهم على السكن.
وبحساب النسبة نجد أن هناك أحياء يرتفع فيها الإيجار بنسب مختلفة، فمثلاً في ويستمنستر Westminster تبلغ نسبة الإيجار (55.8%)، وفي واندزورث Wandsworth (54%)، كامدن Camden (51.7%)، هامرسميث Hammersmith وفولهام Fulham (51.3%)، هارينجي Harringay (48.3%)، لامبيثLambeth (47.1%)، ميرتونMerton (46.8%)، إزلنغتونIslington (45.5%)، ريتشموندRichmond (45.2%).
لا يستطيع حتى القاطنون في مناطق خارج لندن من تحمل تكاليف الإيجارات، فقد بلغت النسبة (30%) فوق قدرة تحملهم خلال 9 سنوات ماضية.
كما واجهت مناطق خارج العاصمة ارتفاعاً في الإيجارات رغم انخفاضها العام، مثل بريستول Bristol، باث Bath وشمال شرق سومرست Somerset، برايتون Brighton، وترافورد Trafford، بينما في شمال شرق إنجلترا، كان متوسط الإيجار 641 جنيهاً شهرياً فقط (19.8% من الدخل)، وفي ويلز Wales، معظم المناطق كانت تحت عتبة 30% باستثناء كارديف Cardiff ووادي غلامورغان Glamorgan، أما في أيرلندا الشمالية، كانت النسبة مستقرة عند 25.3% (مقارنة بـ 25.1% العام الماضي).
آراء الخبراء
أشار توم دارلينج Tom Darling مدير ائتلاف إصلاح المستأجرين إلى أن مشكلة القدرة على دفع الإيجار لن تختفي قريباً، وأن مشروع قانون حقوق المستأجرين لن يحل أزمة القدرة على التحمل، لذلك دعا إلى لجنة وطنية لبحث طرق خفض الإيجارات وربطها بالدخل.
في حين قالت سارة كولز Sarah Coles رئيسة التمويل الشخصي في هارجريفز لانسداون أن ضغط الإيجارات على دخول المستأجرين يزداد، وإن نقص المعروض يدفع الإيجار للارتفاع رغم زيادة الأجور، كما علق جوزيف إليوت Joseph Elliott مؤسسة جوزيف رونتري على الموضوع محذراً من أن ارتفاع الإيجارات يؤدي إلى الفقر والتشرد، داعياً الحكومة لمعالجة جذور الأزمة، من الإيجارات المرتفعة، الدعم الحكومي المحدود، ونقص الإسكان الاجتماعي.
اقرأ أيضاً: ملّاك العقارات يهددون برفع الإيجارات في بريطانيا