الاقتصاد ينكمش بشكل غير متوقع في بريطانيا، رغم كل المؤشرات التي كانت تشي بغير ذلك. في حين أظهرت بيانات رسمية أن الاقتصاد البريطاني قد انكمش بشكل حاد في أبريل الماضي، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة أكبر من المتوقع بلغت 0.3% في أبريل بالمقارنة مع شهر مارس. رغم أن الاقتصاد البريطاني سجل نمو متسارع في مطلع العام.
وانكماش الناتج المحلي بهذا الشكل، صنف على أنه أكبر انخفاض شهري منذ أكتوبر 2023، وفي استطلاع أجرته رويترز Reuters أظهر أن من المتوقع تسجيل انكماش بنسبة 0.1% بعد تسجيل نمو 0.2% في مارس.
الاقتصاد المنكمش رغم التوسع في الربع الأول، ما الخطب؟
قد توسع الاقتصاد البريطاني 0.7% في الربع الأول من 2025 وتجاوز على إثر ذلك النمو في بلدان أخرى في مجموعة السبع، هذا ما دفع بنك إنجلترا إلى إعلاء سقف توقعاته للنمو للعام بأكمله إلى 1% الشهر الماضي، لكن رغم ذلك بنك إنجلترا خفّض توقعاته للنمو لعام 2026 إلى 1.25%، وصرّح: “إنه يتوقع أن تؤدي الرسوم الجمركية إلى خفض الناتج البريطاني بنسبة 0.3% خلال 3 سنوات”.
وكان قد فرض ترامب رسوم جمركية بنسبة 10% على جميع السلع في “يوم التحرير” في 2 أبريل الماضي، وخضعت واردات الصلب والألمنيوم، والسيارات وقطع غيار السيارات، لرسوم جمركية أعلى بنسبة 25%.
مما انعكس على شحنات السلع إلى أمريكا، بما فيها المعادن الثمينة، بمقدار ملياري جنيه إسترليني (2.7 مليار دولار) مقارنةً بشهر مارس. وهو ما صرّح به مكتب الإحصاءات الوطني بأنه “مرتبط على الأرجح بتطبيق الرسوم الجمركية على السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة”، حيث بلغت الصادرات إلى أمريكا 4.1 مليارات جنيه إسترليني (5.56 مليارات دولار)، وهو أدنى مستوى لها منذ فبراير 2022.
وفي تصريح لمديرة الإحصاءات الاقتصادية في مكتب الإحصاء الوطني البريطاني، ليز ماكيون Liz McKeown: “شهد أبريل أكبر انخفاض شهري على الإطلاق في صادرات السلع إلى الولايات المتحدة مع تسجيل تراجع في معظم أنواع السلع، بعد فرض الرسوم الجمركية في الآونة الأخيرة”.
وذكر المكتب، أن تراجعاً في القطاعين العقاري والقانوني في أبريل بعد انتهاء الإعفاء الضريبي المؤقت على شراء المنازل أسهم بـ 0.2% من الانخفاض البالغ 0.3% في الناتج في أبريل. في حين سجلت شركات تصنيع السيارات أيضاً انخفاضاً في الإنتاج والصادرات إلى كل من أمريكا والاتحاد الأوروبي.
اقرأ أيضاً: الرسوم الجمركية الأمريكية تؤثر على القطاع الدوائي البريطاني
المشكلات التي تواجه حكومة حزب العمال في ظل هذا الانكماش، بعد وعود بالنمو
هذه الأرقام والمؤشرات المطروحة عن الانكماش أضافت مشاكل إلى المشاكل التي تواجه رئيس الوزراء كير ستارمر Keir Starmer وحكومته العمالية، في الوقت الذي تكافح فيه حالة عدم اليقين العالمي بشأن الرسوم الجمركية الأميركية وارتفاع التضخم.
وكانت خطط الإنفاق الحكومية تعتمد بشكل كبير على النمو الاقتصادي، لا سيما بعد الانتكاسات المالية الناجمة عن تراجعها عن تخفيضات الرعاية الاجتماعية ومدفوعات الوقود الشتوية لملايين المتقاعدين. على إثر ذلك وصفت وزيرة المالية البريطانية راشيل ريفز Rachel Reeves الأرقام بأنها “مخيبة للآمال”، وقالت إن هناك “المزيد من العمل الذي يتعين القيام به”.
وأشارت ريفز إلى الخلفية العالمية المضطربة التي أدت إلى هذا الضعف، محذرة من أن “العالم قد تغير، ونحن نشعر بعواقب ذلك في جميع أنحاء العالم”. مع العلم أن وزيرة المالية تتعرض لضغوط ملّحة للبدء في الوفاء بوعدها بتعزيز النمو بعد سلسلة من المؤشرات الاقتصادية الضعيفة في عهد حزب العمال وكانت قد أطلقت تحديث اقتصادي وصف بالصادم في شهر آذار الماضي، لكن إلى اليوم لم يتغير وضع الاقتصاد.
ويتوقع اقتصاديون عودة النمو المطرد هذا العام، في حين تتزايد المخاطر ومؤشرات المشاكل على التوقعات مع تصاعد الحرب التجارية التي اطلقها وقادها دونالد ترامب والتي أدت إلى انهيار الأسهم وأثارت مخاوف من تباطؤ عالمي كبير ينذر بركود اقتصادي لفترة غير محددة.
في حين أطلق بنك إنكلترا المركزي توقعات تفيد بأن يستمر نمو الاقتصاد البريطاني بوتيرة بطيئة، متوقعاً نمواً بنسبة 0.7% في عام 2025، بعد ارتفاعه 0.9% العام الماضي.
ومن المتوقع أن يبقي واضعو أسعار الفائدة في بنك إنكلترا أسعار الفائدة من دون تغيير مع تحذيرهم الأسواق من تخفيضات تدريجية فقط. يحاول المسؤولون إيجاد الموازنة ما بين الحاجة إلى دعم اقتصاد راكد ومؤشرات الضغوط التضخمية المستمرة وحالة القلق وعدم اليقين المتزايدة في ظل مؤشرات وتوقعات غير ثابتين. وقد أشار المسؤولون أيضاً إلى خطر الرسوم الجمركية وتأثير زيادة حزب العمال لضرائب رواتب أصحاب العمل على سوق العمل والأسعار.
اقرأ أيضاً: الضرائب بين رفض ستارمر لاستبعاد تمديد التجميد والآراء المتضاربة
توقعات الاقتصاديين بشأن نمو الاقتصاد أو تتابع انكماشه
حسب تقارير وتوقعات اقتصاديين، من المحتمل أن يتباطأ النمو خلال ما تبقى من عام 2025 في ظل ضعف سوق العمل واستمرار الضبابية الاقتصادية، وبدوره بنك إنجلترا توقع نمو ضعيف لا يتجاوز 1 بالمئة خلال العام.
وقال سانجاي راجا Sanjay Raja، كبير الاقتصاديين المختصين في بريطانيا لدى “دويتشه بنك Deutsche Bank”، إن التوقعات الشهرية للنمو في مايو كانت تشير إلى تحسن طفيف، لكنه بالمقابل أبدى حذره حيال الأداء المستقبلي، وأضاف راجا في تصريحات عبر البريد الإلكتروني: “إلى أين نتجه؟ بالمقارنة مع توقعاتنا الأساسية، ظهرت مخاطر هبوطية واضحة في تقديراتنا للربع الثاني من 2025 والعام بأكمله”. وتابع: “القراءة السلبية لناتج أبريل أعادتنا خطوة إلى الوراء، إذ تراجعت تقديراتنا للربع الثاني إلى نمو يتراوح بين 0.1 بالمئة و0.2 بالمئة مقارنة بالتوقع الرسمي البالغ 0.25 بالمئة، وهو ما يضع ضغوطًا هبوطية على توقعات النمو السنوي البالغة 1.2 بالمئة”.
اقرأ أيضاً: بنك إنكلترا يخفض الفوائد، ولكن؟
ختاماً، انكماش الاقتصاد مؤشر خطر يهدد الاقتصاد الوطني للبلاد، تحديداً في ظل الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب والتي فجرت أزمة اقتصادية عالمية، إلى جانب مشاكل الاقتصاد لبريطاني عقب خروجه من الاتحاد الأوروبي، مما يثقل كاهل حكومة حزب العمال ويلزمها بالتحرك بسرعة وخطط جدّية وحازمة.