أبرز سمات اتفاقية التجارة الحرة بين الهند وبريطانيا، التي تم توقيعها الشهر الماضي، قرار حكومة “ناريندرا مودي Narendra Modi” بفتح سوق المشتريات الحكومية الضخمة في الهند أمام الموردين البريطانيين الذين يسعون للحصول على أقصى ما يمكن للعقود، ويتضمن ذلك مجموعة من الأشياء التي تشتريها الحكومة من السلع والخدمات إلى عقود الأشغال العامة مثل الطرق، والبريطانيون يريدون فتح حوالي 40 ألف مناقصة عالية القيمة بقيمة 38 مليار جنيه إسترليني من الوزارات الفيدرالية للمزايدة عليها من قبل الشركات البريطانية في قطاعات استراتيجية مثل النقل والطاقة الخضراء والبنية التحتية، وهي المجالات التي كانت حتى الآن محمية بشكل كبير من المنافسة الأجنبية. هل يتطلع البريطانيون لأكثر من ذلك؟
البريطانيون والهند: كيف سيتم التعامل معهم بعد اتفاقية التجارة
بفعل الاتفاقية يقول خبراء التجارة إن الوصول إلى هذه المنتجات غير مسبوق، وقال “أجاي سريفاستافا Ajay Srivastava” من مبادرة أبحاث التجارة العالمية، وهي مؤسسة فكرية مقرها دلهي، لوكالة الأنباء الرسمية البريطانية إن هذا “أعظم بكثير” مما عرضته الهند في اتفاقيتها السابقة مع الإمارات العربية المتحدة و”يضع معياراً جديداً”.
وبموجب الاتفاق، ستتم معاملة الشركات البريطانية التي تتقدم بعطاءات للحصول على عقود الحكومة الهندية في مجالات محددة على قدم المساواة تقريبا مع الموردين الهنود، كما سيتمتع البريطانيون بإمكانية الوصول في الوقت الفعلي إلى المعلومات حول العطاءات العامة وفرص المشتريات المقبلة.
وبالإضافة إلى ذلك، أصبح من الممكن الآن توريد البضائع من المملكة المتحدة المصنعة بنسبة 20% فقط من المدخلات المحلية إلى الحكومة الهندية، مما يتيح للشركات البريطانية المرونة في الحصول على ما يصل إلى 80% من الأجزاء أو المواد الخام من بلدان أخرى ولا تزال مؤهلة للحصول على تفضيل المشتريات في الهند، وهذا ما يسعى إليه البريطانيون.
كما تم تخفيض الحد الأدنى لقيمة العقد الذي يمكن لهذه الشركات من خلاله التقدم بعطاءات للمشاريع الحكومية بشكل حاد، ونتيجة لهذا “يمكن للشركات البريطانية الآن التقدم بعطاءات لمجموعة واسعة من المشاريع ذات القيمة المنخفضة، مثل الطرق الريفية، ومعدات الطاقة الشمسية للمدارس، أو أنظمة تكنولوجيا المعلومات للمكاتب الحكومية، والتي كانت في السابق “بعيدة المنال”، كما قال السيد سريفاستافا.
اقرأ أيضاً: هل طمعت الطائرة المقاتلة البريطانية بالجنسية الهندية؟!
كيف يتعامل البريطانيون وشركاتهم مع هذه الفرصة
بالنسبة للشركات البريطانية، فإن تحقيق هذه الفرصة على أرض الواقع سيكون أسهل قولاً من الفعل، وفقاً لما قاله العديد من الخبراء ل BBC، وفي حين أن الموردين من المملكة المتحدة مؤهلون للمشاركة كموردين محليين من الفئة الثانية، فإن الشركات الهندية ستستمر في الحصول على معاملة تفضيلية كموردين من الفئة الأولى، كما تقول الدكتورة “أربيتا موخيرجي Arpita Mukherjee”، الخبيرة التجارية في المجلس الهندي لأبحاث العلاقات الاقتصادية الدولية.
علاوة على ذلك، يعلم البريطانيون أن التسعير يلعب دوراً رئيسياً في الفوز بالعقود، وتميل الشركات البريطانية إلى تقديم أسعار أعلى مقارنة بالشركات الهندية، وهو ما سيشكل تحدياً كبيراً بالنسبة لها، كما تضيف.
سيكون الرادع الأكثر أهمية هو التأخر في سداد المدفوعات وصعوبة إنفاذ العقود، وهي “قضايا موروثة كبرى عندما يتعلق الأمر بالمشتريات العامة في الهند”، كما يقول “سريجان شوكلا “Srijan Shukla”من مؤسسة “أوبزرفر Observer” للأبحاث، ويقول إن دراسة أجريت على المشتريات التي قامت بها مؤسسات القطاع العام المركزي في الهند من عام 2017 إلى عام 2020 وجدت أن المدفوعات المعلقة للموردين كانت في كثير من الأحيان أكثر من إجمالي متوسط المشتريات في عام واحد.
قال “شوكلا” لبي بي سي: “سيؤثر هذا على اللاعبين البريطانيين الذين يحاولون دخول أسواق المشتريات العامة في الهند، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعقود العامة التي لها آفاق طويلة الأجل وتخضع لعدم اليقين التنظيمي والسياسي”.
كانت المستحقات المتأخرة مصدر إزعاج كبير للشركات الصغيرة في الهند أيضاً، مما أدى إلى مشاكل السيولة قصيرة الأجل التي غالباً ما “تجبرهم على الخروج من أسواق المشتريات هذه وإعادة تخصيص تلك الأعمال للاعبين الكبار”، وفقاً للسيد شوكلا، وينعكس الكثير من هذا في الترتيب الضعيف للهند 163 من أصل 19 في إنفاذ العقود في تقرير البنك الدولي عن ممارسة أنشطة الأعمال، والذي كانت الجولة الأخيرة منه في عام 2020. فكيف سيتجاوز البريطانيون ذلك؟
رغم تحسن الأمور منذ نشر هذه التصنيفات، مع وجود بوابات شاملة مثل السوق الإلكترونية الحكومية، وبوابة المشتريات العامة المركزية، أو بوابة حل النزاعات عبر الإنترنت التي تم إطلاقها مؤخراً، مما جلب المزيد من الشفافية إلى عملية المناقصات العامة فإن انضباط الدفع من جانب الكيانات الحكومية لا يزال يشكل تحدياً، كما يقول شوكلا.
وبحسب السيدة موخيرجي، فإن اتفاقية التجارة بين الهند والمملكة المتحدة تؤكد على الشفافية في المشتريات ولكنها تغفل قضايا مثل المستحقات المتأخرة وإنفاذ العقود والعقوبات، وتضيف أن الاتفاق يستثني أحكام تسوية النزاعات في الاتفاق الاقتصادي والتجاري الشامل لمدة أربع سنوات بعد دخول الاتفاق التجاري الشامل حيز التنفيذ، وعادة ما تحدد هذه الأحكام كيفية حل النزاعات.
ليضيف السيد شوكلا: “إن ممارسة الأعمال التجارية في الهند مهارة مكتسبة. ومع مرور الوقت، سيتعين على الشركات البريطانية تعلم كيفية التعامل مع التعقيدات المتعلقة بفن الفوز بالمناقصات العامة وتجاوز اللوائح المعقدة”.
اقرأ أيضاً: اتفاقية الاتحاد الأوروبي وأمريكا…بنود لم تلقَ ترحيباً شعبياً
ما نوايا الحكومة الهندية تجاه كم الاستثمارات المطروح والتحديات الموجودة
نوايا الحكومة الهندية في فتح مساحة كانت مخصصة لفترة طويلة للشركات الصغيرة والمتوسطة المحلية، وقد يكون انعكاساً للتنازلات التي ترغب “دلهي” في منحها للاعبين الأجانب في اتفاقيات التجارة المستقبلية مثل تلك التي يتم التفاوض عليها مع الولايات المتحدة ، وفقاً لـ GTRI، ويقول “شوكلا” إن الهند تأخرت في تضمين بنود المشتريات الحكومية العميقة في الصفقات التجارية، مما يجعل جهودها الحالية مجرد لعبة تعويض، ويقول إن هذا أيضاً علامة على “ثقة الحكومة الهندية في قدرة شركاتها على المنافسة مع الشركات العالمية خارجياً وداخلياً”.
والأمل هو أن يؤدي زيادة عدد اللاعبين الأجانب إلى فرض المزيد من المساءلة على الحكومة الهندية و”المساعدة في توحيد” عملية العطاءات والمشتريات العامة، التي تتسم بتأخير الدفع وضعف إنفاذ العقود إلى المعايير العالمية.
اقرأ أيضاً: OpenAI والمملكة المتحدة توقعان اتفاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة
ختاماً، يعرف المسؤولون البريطانيون والهنود أنهم من خلال هذه الاتفاقية التجارية أمام أبواب استثمارية كبيرة وقوة اقتصادية هائلة وأيضاً أمام تحديات يجب التفاهم لتجاوزها والتغلب عليها، ويعلم البريطانيون جيداً حساسية اتفاقيات التجارة الحرة من حيث الصعوبات وحجم الفوائد.