البطالة بين الشباب في عصر الذكاء الاصطناعي وكوفيد والضرائب
تابعونا على:

العمل

الوجه الخفي للبطالة بين الشباب في بريطانيا!

نشر

في

374 مشاهدة

الوجه الخفي للبطالة بين الشباب في بريطانيا!

يتخيّل كثير من الخريجين اليوم لحظة استلام شهادة التخرج بوصفها بوابة واسعة إلى سوق العمل وحياة مهنية مستقرة، لكن الواقع يفاجئهم بطابور طويل من طلبات التوظيف غير المجابة، ورسائل الرفض الآلية، وشعور متزايد بأن الجهد الدراسي لم يعد كافياً، وهذا التوتر بين التوقعات والأرض الصلبة للاقتصاد يجعل قصة البطالة بين الشباب واحدة من أهم قصص عصرنا، لأنها لا تتعلق بالأرقام فقط، بل بمسار حياة جيل كامل.

يوضح تقرير حديث أن البطالة بين الفئة العمرية 16–24 عاماً في المملكة المتحدة بلغت نحو 15.3%، وهي النسبة الأعلى منذ ذروة جائحة كوفيد (باستثناء قمة الإغلاق الثاني عام 2020)، مع تأكيد الخبراء أن الأمر ليس ظرفاً عابراً، بل نتيجة تفاعل معقد بين الاقتصاد الضعيف، والضرائب، والأتمتة بالذكاء الاصطناعي، وآثار كوفيد الصحية والتعليمية المستمرة.

جذور البطالة بين الشباب

تبدأ البطالة بين الشباب من نقطة واضحة: اقتصاد لا يعمل بكامل طاقته. حين يتباطأ النمو وتظل الأسعار مرتفعة وأسعار الفائدة عالية، تميل الشركات إلى تجميد التوظيف أو تقليصه، وتفضّل الحفاظ على العمالة المتمرسة بدلاً من المخاطرة بتعيين وافدين جدد. الشباب، بقلة خبرتهم وسيرهم الذاتية القصيرة، يصبحون الحلقة الأضعف.

الخبراء يشيرون إلى منطق بسيط لدى أرباب العمل: استبدال موظف متمرّس مكلف وصعب، بينما استبدال موظف شاب في بداية طريقه أقل تكلفة وأكثر سهولة. لذلك، مع كل أزمة اقتصادية، تتضخم البطالة بين الشباب بسرعة، ثم تحتاج سنوات لتعود إلى مستويات مقبولة، حتى بعد تعافي المؤشرات العامة.

وهذه الفجوة الزمنية تحمل آثاراً نفسية ومهنية طويلة الأمد على الشباب، لأنها تعني تأخر تكوين الخبرة وتأخر الاستقلال المالي، وربما فقدان الثقة في جدوى التعليم نفسه.

ضرائب وأجور تعيد الحسابات

جانب آخر يبرز في تفسير صعود البطالة بين الشباب هو السياسات الضريبية والمالية، ففي حالة المملكة المتحدة، رفع الحكومة لمساهمات التأمينات الوطنية التي يدفعها أصحاب العمل عن موظفيهم، وخفض العتبة التي يبدأ عندها هذا العبء الضريبي، جعلا تكلفة توظيف العاملين أعلى، خاصة في الوظائف الجزئية ومنخفضة الأجر المنتشرة بين الشباب في قطاعات مثل التجزئة والضيافة

إلى جانب ذلك، جرى رفع الحد الأدنى للأجور بما يشمل الأجور المخصصة للفئة العمرية 18–21 عاماً بشكل ملحوظ. ورغم أن رفع الأجور يبدو خبراً جيداً من زاوية العدالة الاجتماعية، فإن بعض أصحاب الأعمال يحاولون التكيّف مع هذه الزيادة عبر تقليل عدد الموظفين أو الاعتماد أكثر على العمل بدوام جزئي وأوقات موسمية. النتيجة أن جزءاً من تكلفة الحماية الاجتماعية يقع عملياً على عاتق الشباب الباحثين عن العمل، الذين يجدون أبواباً أقل مفتوحة أمامهم.

ذكاء اصطناعي يغيّر المعادلة

التطور السريع في الأتمتة والذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة من التعقيد لقصة البطالة بين الشباب. كثير من المهام التي كانت تقليدياً تُسند إلى موظفين مبتدئين – مثل إدخال البيانات، ومعالجة الجداول، وخدمة العملاء الأساسية – أصبحت اليوم قابلة للأتمتة نسبياً، أو على الأقل قابلة للتقليل بعدد أقل من الموظفين.

ويلفت التقرير إلى أن قطاعات مثل التجزئة والضيافة والصحة تستثمر في حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتطبيقات، من صناديق الدفع الذاتي إلى تطبيقات طلب الطعام والخدمات، وهذه التقنيات لا تلغي كل الوظائف، لكنها تغيّر شكلها وعددها، وتدفع بأرباب العمل إلى تفضيل مهارات رقمية أعلى، مما يضع من لا يمتلكون هذه المهارات من الشباب في موقع أضعف.

في المقابل، يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي نفسه جزءاً من الحل إذا استُخدم لتدريب الشباب عن بُعد، وتطوير منصات تعليمية عملية، وتسهيل الوصول إلى فرص عمل حرة أو عن بعد، لكن ذلك يتطلب سياسات واضحة واستثماراً في المهارات، لا مجرد ترك السوق يحدد وحده الاتجاه.

كوفيد وصحة الشباب النفسية

جائحة كوفيد لم تكن حدثاً صحياً عابراً، بل صدمة اجتماعية وتعليمية واقتصادية. سنوات الدراسة الجامعية أو التقنية التي تحولت إلى شاشات، وفترات الإغلاق الطويلة، أثرت في جاهزية كثير من الشباب لسوق العمل.

فالانتقال من الدراسة إلى الوظيفة الأولى، وهو انتقال حساس في أي زمان، أصبح أكثر صعوبة بعد انقطاع التدريب العملي والتفاعل المباشر.

تضيف التقارير أن نسبة الشباب خارج التعليم والعمل والتدريب الذين يعانون من مشكلات صحية نفسية أو إعاقات تضاعفت تقريباً خلال عقدين في المملكة المتحدة، وحين تجتمع ضغوط البطالة مع القلق والاكتئاب وارتفاع كلفة المعيشة، يتحول البحث عن وظيفة من خطوة طبيعية إلى عبء ثقيل.

بهذا المعنى، تصبح البطالة بين الشباب ليست فقط مشكلة اقتصادية، بل قضية صحة عامة تحتاج إلى دعم نفسي وخدمات اجتماعية موجهة لهذا الجيل.

كيف نواجه البطالة بين الشباب

مواجهة تصاعد البطالة بين الشباب تتطلب رؤية مشتركة بين الحكومات وأصحاب الأعمال والمؤسسات التعليمية والشباب أنفسهم. على مستوى السياسات، من المهم تصميم أنظمة ضريبية لا تعاقب بشكل غير مباشر توظيف الشباب، مع برامج دعم للأجور أو حوافز للشركات التي توفر فرص تدريب وتوظيف أولي.

كما أن مراجعة سياسات الحد الأدنى للأجور يجب أن تتم مع تقييم دقيق لأثرها على التوظيف، لا على الدخل فقط.

في التعليم، لا يكفي التركيز على المحتوى الأكاديمي، بل ينبغي تعزيز المهارات العملية والرقمية واللغوية، وإدماج التدريب في الشركات والمؤسسات كجزء أصيل من المسار الدراسي، فكلما كان الانتقال من مقاعد الدراسة إلى بيئة العمل أكثر سلاسة، تراجعت احتمالات زيادة البطالة بين الشباب.

أما الشباب، فربما يكون التحدي الأكبر هو الحفاظ على المرونة: الانفتاح على أنماط عمل جديدة مثل العمل الحر أو عن بعد، والاستثمار في تعلّم مهارات تقنية ومهارات تواصل، والقبول أحياناً بوظائف مؤقتة كبداية لبناء السيرة الذاتية، مع استمرار الضغط الجماعي للمطالبة بسياسات أكثر عدلاً وفرص أكثر تنوعاً.

في النهاية، ليست البطالة بين الشباب قدراً محتوماً، لكنها أيضاً ليست مشكلة تُحل من تلقاء نفسها، هي اختبار لقدرة المجتمعات على توزيع الفرص بشكل عادل، واختبار لمدى استعدادنا للاستثمار في الجيل الذي سيقود اقتصاداتنا في العقود المقبلة.

اقرأ أيضاً: أزمة الديمقراطية في الغرب: ماذا تقول أرقام 2025؟

X