يزداد الوضع العمالي في المملكة المتحدة سوءاً مع زيادة الضرائب التي شكلت أزمة حقيقية لدى الشركات والمواطنين في آن معاً. وهذه الضرائب دفعت بالشركات إلى تقليل فرص العمل التي بدورها زادت من معدلات البطالة.
فقد ارتفع معدل البطالة في المملكة المتحدة إلى 5% خلال الأشهر الثلاثة الماضية، مما يشير إلى ضعف في سوق العمل بحسب بيانات رسمية جديدة. ويعد هذا أعلى معدل منذ الفترة ما بين ديسمبر 2020 وفبراير 2021، بحسب مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS)، الأمر الذي عزز التوقعات بخفض أسعار الفائدة في ديسمبر المقبل.
جاءت الزيادة في معدل البطالة أعلى من التوقعات، إذ تجاوزت نسبة 4.9% التي توقعها العديد من المحللين قبل إعلان ميزانية 26 نوفمبر. وفي الوقت ذاته، تباطأ نمو الأجور إلى 4.6% في الربع الثالث، مقارنةً بـ 4.7% في الأشهر الثلاثة حتى أغسطس.
وعلى الرغم من أن ارتفاع البطالة يمثل أنباء غير مشجعة للحكومة، إلا أنه زاد من احتمالات خفض سعر الفائدة عندما تجتمع لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا يوم 18 ديسمبر. وقالت داني هيوسون Danny Hewson، رئيسة قسم التحليل المالي في شركة AJ Bell، إن توقعات الخفض ارتفعت بشكل حاد، لكنها أضافت: “لن يأخذ أحد هذه التوقعات على محمل الجد حتى تتضح كل تفاصيل ميزانية وزير المالية”.
وبحسب البنك المركزي البريطاني، من المتوقع أن يظل معدل البطالة قريباً من 5% خلال السنوات القادمة. وأشارت ليز ماكوين Liz McQueen مديرة الإحصاءات الاقتصادية في مكتب الإحصاءات الوطنية، إلى أن الأرقام مجتمعة تشير إلى ضعف سوق العمل. لذلك فإن معدل البطالة في الربع الأخير ارتفع إلى أعلى مستوى له منذ الجائحة، رغم أن عدد الوظائف الشاغرة لم يشهد تغيراً كبيراً.
وإذا استثنينا التقلبات غير المعتادة خلال سنوات كوفيد-19، فإن معدل البطالة المسجل يوم الثلاثاء هو الأعلى منذ أغسطس 2016. ومع ذلك أكد مكتب الإحصاءات الوطنية ضرورة التعامل بحذر مع البيانات، وأشار إلى اتخاذ خطوات إضافية لتحسين جودة الأرقام.
أقر وزير العمل والمعاشات التقاعدية بات ماكفادين Pat Macfadyen بوجود تحديات في سوق العمل، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الاقتصاد البريطاني لا يزال يخلق فرص عمل. وأبدى قلقه إزاء زيادة عدد الشباب غير العاملين أو غير المتدربين خلال السنوات الخمس الماضية.
أما هيلين واتلي Helen Whately وزيرة العمل والمعاشات التقاعدية في حكومة الظل، فقد ألقت باللوم على سياسات الحكومة الحالية، قائلة إنها ترفع الضرائب على الوظائف، وتزيد الأعباء البيروقراطية على الشركات، وتزعزع الثقة في الاقتصاد.
كما قالت ديزي كوبر Daisy Cooper المتحدثة باسم وزارة الخزانة عن الحزب الديمقراطي الليبرالي إن “الجميع، باستثناء راشيل ريفز، يدركون أن إجبار الشركات الصغيرة على دفع مزيد من الضرائب مقابل توفير فرص عمل سيضر بالتوظيف. والدليل الآن واضح أمامها”. وقد تم التواصل مع وزارة الخزانة البريطانية للحصول على تعليق رسمي.
وبحسب تقدير أولي فقد انخفض عدد الأشخاص المسجلين في كشوف رواتب الشركات بمقدار 180 ألف شخص خلال العام المنتهي في أكتوبر، أي بنسبة انخفاض بلغت 0.6%، وهو تراجع أكبر من المتوقع.
تأجيل خطط التوظيف
تُظهر بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أيضاً أن نحو 1.7 مليون شخص يطالبون بإعانات البطالة، بانخفاض طفيف عن العام الماضي. كما ارتفع عدد الوظائف الشاغرة بمقدار 2000 وظيفة ليصل إلى 723 ألف بين أغسطس وأكتوبر 2025، وهي أول زيادة منذ أكثر من ثلاث سنوات، رغم أن الرقم لا يزال أقل بكثير من ذروة 1.3 مليون وظيفة المسجلة بين مارس ومايو 2022.
وتوضح الإحصاءات كذلك وجود فارق بين نمو الأجور في القطاعين العام والخاص، إذ ارتفعت أجور القطاع العام بنسبة 6.6%، بينما بلغ النمو في القطاع الخاص 4.2%. وقالت يائيل سيلفين Yael Silvin كبيرة الاقتصاديين في شركة KPMG في المملكة المتحدة، إن نمو الأجور في القطاع العام يقترب من ذروته، وتوقعت أن لا تستمر الزيادات الكبيرة بسبب ضغوط ميزانية الحكومة، بينما يتوقع أن يتباطأ نمو أجور القطاع الخاص مع دخول مزيد من الباحثين عن عمل إلى السوق، مما يضعف القوة التفاوضية للعمال.
وقال ريتشارد كارتر Richard Carter رئيس أبحاث الفائدة الثابتة في Quilter Cheviot، أنه مع اقتراب موعد الميزانية خلال أسبوعين، “ستكون العديد من الشركات قد أجلت خطط التوظيف الرئيسية”، وأضاف: “بعد الزيادات الكبيرة في تكاليف التأمين الوطني في وقت سابق من العام، من الطبيعي أن تتردد الشركات في الالتزام بتكاليف جديدة قبل معرفة ما إذا كانت ستواجه أعباء إضافية”.
بينما قالت تينا ماكنزي Tina MacKenzie رئيسة قسم السياسات في اتحاد الشركات الصغيرة، إن ارتفاع البطالة وتراجع أعداد العاملين على كشوف الرواتب يعكسان موقف الحكومة المتساهل تجاه الوظائف والشركات. وأضافت أن الشركات الصغيرة تعاني من الضرائب واللوائح والدعاوى المتزايدة، داعية راشيل ريفز إلى اتخاذ إجراءات حقيقية لدعم الوظائف والنمو الاقتصادي.
وبذلك يبدو أن البطالة تشكل حلقة معقدة من الشبكات التي تبدأ حلولها من راشيل ريفز، وتنتهي عن الشركات. فاسياسة الضرائب التي تتبعها ريفز تضر أكتر مما تنفع. والمواطن البريطاني يقف عاجزاً أمام دفعها، والشركات تقف عاجزة أمام فتح مجالات التوظيف.
اقرأ أيضاً: وزيرة المالية البريطانية تعد باستبعاد زيادة الضرائب