مع كل حرب كبرى، تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي قصص يصعب التحقق منها، لكنها تنتشر بسرعة لأنها تلامس مخاوف الناس وتساؤلاتهم. خلال الحرب الأخيرة مع إيران، عاد الحديث عن شيء يسمى “البوابة العاشرة للزمن” أو “بوابة النجوم” إلى الواجهة. زعمت منشورات عديدة أن إيران ومصر تخفيان أسراراً عن حضارات قديمة، وأن هذه الحرب لم تكن مجرد حرب سياسية أو حرب نووية، بل كانت أيضاً حرباً للسيطرة على هذه البوابات الغامضة. بين الحقيقة والخيال، يبقى السؤال: هل لهذه الروايات أي أساس من الصحة؟
ما هي البوابة العاشرة للزمن؟
لا وجود لما يسمى “البوابة العاشرة للزمن” في أي مصدر علمي أو أثري موثوق. يستخدم هذا المصطلح غالباً في نظريات المؤامرة وفي بعض الكتب والبرامج التي تمزج بين الأساطير والخيال العلمي والروحانيات. تزعم هذه الروايات أن للأرض بوابات خفية قادرة على ربط أماكن وأزمنة مختلفة، وأن حضارات قديمة كالمصريين والبابليين والفرس كانت على دراية بهذه البوابات قبل أن تندثر أسرارها مع مرور الزمن. لكن حتى الآن، لم يُقدّم أي دليل أثري أو علمي يثبت وجود هذه البوابات.
لماذا تربط هذه الروايات بالحرب مع إيران؟
مع تصاعد الحرب، ظهرت مقاطع فيديو ومنشورات تزعم أن مدينة أصفهان الإيرانية تضم إحدى هذه البوابات، وأن العمليات العسكرية تستهدف مواقع مرتبطة بها، وليس فقط المنشآت العسكرية أو النووية. وقد ساهم الغموض المحيط ببعض المواقع العسكرية الإيرانية، إلى جانب الانتشار السريع للمحتوى غير الموثق على الإنترنت، في تأجيج هذه الروايات. بل إن البعض ربط الحرب الحالية بنبوءات عن نهاية العالم أو ظهور شخصيات دينية، وهي مزاعم لا تستند إلى مصادر دينية موثوقة.
يعتقد علماء الاجتماع أن مثل هذه القصص تظهر عادةً في أوقات الأزمات، عندما يبحث الناس عن تفسيرات تتجاوز الأسباب السياسية والعسكرية التقليدية.
اقرأ أيضاً: خبير مصري في قراءة الوجوه لأرابيسك لندن: تحليلات البيرسونولوجي ملهمة في إصلاح المجتمع وتطوير الذات!
ما هي الصلة المصرية بالبوابة العاشرة!
لم تكن مصر بمنأى عن هذه الروايات أيضاً. تزعم بعض نظريات المؤامرة أن الأهرامات، أو بالأحرى منطقة الجيزة، تحتوي على بوابة نجمية أخرى أنشأتها الحضارة المصرية القديمة. يزعم أنصار هذه النظريات أن شبكة تربط مصر وإيران والعراق، وأن هذه الأماكن تشكل مراكز طاقة غامضة أو ممرات زمنية.
مع ذلك، يؤكد علماء الآثار أن الأهرامات بُنيت كمقابر ملكية ذات وظائف دينية ومعمارية معروفة، وأن أكثر من قرن من التنقيب والدراسة لم يُسفر عن أي دليل يُؤكد وجود أجهزة أو ممرات زمنية أو بوابات كونية داخلها.
لكن غالباً ما يستند مروجو هذه الأفكار في حججهم إلى مفهوم “الثقوب الدودية” في الفيزياء النظرية. هذه حلول رياضية ظهرت في إطار نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين، وتشير إلى إمكانية وجود ممرات تربط بين نقطتين متباعدتين في الزمكان. لكن الفكرة ظلت نظرية بحتة حتى يومنا هذا، ولم يثبت العلماء بعد وجود ثقوب دودية قابلة للعبور، ناهيك عن وجودها على الأرض. اكتسب مصطلح “بوابات النجوم” شهرة عالمية من خلال أفلام ومسلسل “ستارغيت”، الذي قدم فكرة السفر الفوري بين الكواكب على أنها محض خيال، قبل أن يصبح لاحقًا مادة دسمة لنظريات المؤامرة.
لماذا يصدق بعض الناس هذه القصص؟
تناول ابن خلدون، عالم الاجتماع والمؤرخ، هذه الظاهرة منذ قرون، ملاحظاً أن المجتمعات التي تعاني من الحروب والاضطرابات تميل أكثر إلى اللجوء إلى العرافين والمنجمين والروايات الخارقة للطبيعة، إذ يدفع الخوف الناس إلى البحث عن تفسيرات توفر لهم شعورًا بالأمان أو اليقين. تؤكد الدراسات الاجتماعية الحديثة أن فترات الحروب والأزمات تشهد دائماً انتشاراً واسعاً للشائعات والخرافات، لا سيما مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، التي تُتيح لأي قصة الانتشار في غضون دقائق، حتى بدون مصدر.
بين الواقع والخيال
حتى الآن، لا يوجد دليل علمي أو أثري يثبت وجود “بوابة زمنية عاشرة” أو يربط الحرب مع إيران ببوابات كونية أو ممرات زمنية. كذلك، لا توجد نصوص دينية موثقة تتناول مثل هذه الادعاءات. ما ينشر لا يزال مزيجاً من الخيال العلمي والأساطير القديمة ونظريات المؤامرة.
لعل هذه الظاهرة تكشف حقيقة أعمق من قصة البوابات نفسها: أن الحروب لا تعيد رسم الخرائط الوطنية فحسب، بل تغيّر أيضاً طريقة تفكير الناس، فتطلق العنان للخيال كلما غابت المعلومات الموثوقة واشتد القلق بشأن المستقبل.