يبدو أن ظاهرة التشرد تكشف الوجه الآخر لأشهر عواصم العالم، لا سيما بعد تزايد أعداد الأشخاص النائمين في الشوارع دون مأوى، هذا هو حال العاصمة البريطانية لندن، التي تواجه اليوم واحدةً من أبرز أزماتها الاجتماعية في السنوات الأخيرة.
وعلى الرغم من أن الحديث عن أزمة التشرد في لندن، بات شيئاً اعتيادياً ومتكرراً، إلا أن الصدمة تكمن بما كشفته بيانات حديثة، تؤكد أن أكثر من نصف المشردين الذين ينامون في الشوارع ليسوا من المواطنين البريطانيين، وهذا ما يعيد إلى الواجهة أزمة الهجرة غير الشرعية واللجوء.
أزمة التشرد في لندن
وفقاً لتقرير حديث صادر عن مركز العدالة الاجتماعية (Centre for Social Justice – CSJ)، فإن 51% من المشردين في العاصمة لندن خلال 2025/2026 ليسوا بريطانيين، وذلك بعد التأكد من جنسياتهم.
أي أن هناك 5,667 من الأشخاص الذين رُصدوا نائمين في شوارع لندن، كانوا من غير المواطنين البريطانيين، مقابل 5,475 مواطناً بريطانياً.
ولكن هناك آلاف المشردين غير معروفي الجنسية بعد، حيث أكد مركز العدالة الاجتماعية ارتفاع أعداد المشردين غير معروفي الجنسية بنسبة 127% منذ 2021/2022.
وفي هذا السياق كشف تحليل مركز الأبحاث أنه عند احتساب هذه الفئة من المشردين غير محددي الجنسية، تتراجع نسبة المشردين البريطانيين إلى نحو 42%.
تراجع غير ملحوظ
وفقاً للبيانات، فإن عدد المشردين الذين ينامون في شوارع لندن، انخفض بشكل طفيف جداً عن العام الماضي، بنسبة 2% فقط، أي أنه لا يمثل تحسناً في حجم الأزمة بقدر ما هو انعكاس لاستقرارها عند مستويات مرتفعة.
فيما ارتفع عدد المواطنين البريطانيين الذين ينامون في الشوارع بمقدار 13 مواطناً مقارنة بالعام الماضي، مسجلين نسبة 38% منذ عام 2021/2022، أي بزيادة 1521 مشرداً جديداً، بالتالي التراجع الطفيف في العدد الإجمالي لم ينعكس على أوضاع المشردين البريطانيين.
وإلى ذلك، أعرب مركز العدالة الاجتماعية (CSJ) عن قلقه من ترسيخ ظاهرة التشرد المزمن، فهل فعلاً دقّ ناقوس الخطر؟
أشار مركز الأبحاث إلى أن شخصاً واحداً من كل أربعة أي نسبة 25%، رُصِدوا نائمين في الشوارع لمدة لا تقلّ عن سنتين، مقارنةً بنحو 20% قبل عامين، فيما حظي 16% فقط على مسكن دائم خلال العام الماضي.
2024: العام الأشد
يُذكر أن عام 2024 سجل رقماً قياسياً بأعداد المشردين في شوارع لندن خلال العقد الأخير، حيث رصدت الجهات المعنية 11993 شخصاً، ينامون في العراء خلال الفترة الممتدة من أبريل 2023 إلى مارس 2024.
وفي التفاصيل، سجل إجمالي عدد المشردين في 2024/25 ارتفاعاً أعلى بنسبة 63% من إجمالي الأشخاص الذين رُصدوا وهم ينامون في الشوارع قبل 10 سنوات، أي في عام 2015/16، حيث بلغ 8096 مشرداً، كما شهد عددهم تزايداً ملحوظاً بشكل تدريجي عاماً بعد عام، ما عدا عامي 2017/2018 و2021/2022.
التشرد بين المهاجرين
كشفت البيانات الحديثة بعداً أكثر حساسيةً في ملف ظاهرة التشرد، وهو تزايد أعداد المشردين من طالبي اللجوء والمهاجرين غير الشرعيين، فقد أظهرت إحصائيات المركز ارتفاع نسبة المشردين القادمين من مراكز إيواء طالبي اللجوء إلى نحو 10% خلال العام الماضي، حيث بات أكثر من ألف شخص ينامون في الشوارع، إلى جانب 946 مهاجراً غير شرعي.
بناءً على ما سبق، سلطت الدراسة الضوء على عدة عوامل زادت من حدة أزمة التشرد في لندن، أبرزها الهجرة غير المنضبطة، واضطراب نظام اللجوء، وما سبباه من إرهاق للخدمات العامة.
أما بالنسبة للحلول المقترحة، فقد أكد مركز الأبحاث ضرورة التعاون بين مختلف الجهات المعنية لوضع سياسات مجدية، من شأنها المساهمة في إعادة غير البريطانيين إلى مواطنهم الأصلية، والاستفادة من التجربة الهولندية لإعادة دمجهم في مجتمعاتهم بالتعاون مع جمعيات خيرية.
كما اقترح مركز العدالة الاجتماعية (CSJ) توسيع نموذج “الإسكان أولاً” (Housing First)، باعتباره سياسة ناجحةً لمعالجة أزمة المشردين البريطانيين، والجدير بالذكر أن هذا النموذج يقوم على توفير سكن دائم للشخص المشرد، وتقديم الدعم الاجتماعي والصحي له.
أزمة التشرد في لندن تتعدى حدودها التقليدية، حيث تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية إلى جانب ضغوط الهجرة واللجوء، بالتالي معالجتها تحتاج إلى سياسات أكثر شموليةً وتنسيقاً بين مختلف الجهات المعنية.
اقرأ أيضاً: إنجلترا تنفق مليار جنيه إسترليني على التشرد