مقابلات
التشكيلية أدريانا الحاج لأرابيسك لندن: ألواني مساحة للراحة والحلم والوجع أحتفظ به لنفسي!
نشر
منذ 7 أشهرفي
1٬732 مشاهدة
حاورها: محسن حسن
تشكيلية صنعتها المحنة، وهذبتها المعاناة.. ترى في إسعاد الآخرين هدفاً وغاية، وتؤمن بأن الفن قرين الشفاء والعطاء والأمل، وبأن تواصل الأجيال أمر حتمي من أجل تحصيل الخبرة وصقل المواهب.. أخذت على عاتقها نقل خبرات الفن التشكيلي وتقنياته إلى الجميع، لا فرق في ذلك عندها بين شيخ في السبعين، أو طفل في الثالثة من عمره؛ فقد علمتها التجارب القاسية، أن لوحة عابرة يمكنها أن تطيح بمرض عضال، وبأن تأثير الجمال، بمقدوره التسلل إلى حيثما يقال وما لا يقال.. إنها التشكيلية اللبنانية (أدريانا الحاج) التي أجرت معها أرابيسك لندن هذا الحوار.
* بداية أيهما كان أكثر تأثيراً في الآخر لديك: الهندسة والتصميم أم الفن التشكيلي؟ ومن له فضل الإلهام أكثر في عالمك؟
ــــ بالنسبة لي يوجد تكامل كبير جداً بين الهندسة والتصميم من جهة، والفن التشكيلي من جهة أخرى، وهذا التكامل هو سر اختياري للعمل بهذين المجالين معاً دون كلل أو ملل، بل عن حب وشغف كبيرين. وبصفة عامة الفن بحره واسع، ولذا فإن التجانس بين أنماطه المختلفة جنباً إلى جنب مع التجانس مع أنماط إنسانية وحياتية أخرى، هو أمر واقع وحتمي.
وعلى مستوى المقارنة بينهما من حيث التأثير على شخصيتي فإنني أقولها وبكل صراحة أن التأثير الأكبر والراحة الأكثر أجدها دائماً في الفن التشكيلي؛ فهو لغة التعبير عن ذاتي وعن مشاعري، وهو ترجمة لكل المراحل الحياتية التي عشتها وأعيشها، وهذا لا يمنع حقيقة من أن يكون للهندسة والتصميم مساحة من العطاء والحب، غالباً ما تظهر في التصميمات المقدمة التي يفضلها العملاء، والتي يبدو خلالها أثر التجانس بين هذين المجالين المحببين إلى قلبي.
* لماذا احتلت الجداريات التشكيلية مساحة ملفتة في أعمالك الفنية؟ وهل لذلك علاقة ما بالمحيط المجتمعي والإنساني؟
ــــ بالعودة إلى البدايات الفنية لي، أجد أن الجداريات كانت جزءاً لا يتجزأ من المهام الفنية التي شغلتني وشغلت مساحة كبيرة من عطائي الفني والتشكيلي، وذلك على مدار أكثر من خمسة عشر عاماً ماضية، عندما بدأت في رسم الجداريات، ووقتها كان هذا النوع من الرسم قاصراً على الطبقة الأرستقراطية من الناس، نظراً لكلفته الباهظة ومتطلباته المادية الكبيرة، كما أنه بطبيعته كان يتطلب من الفنان قدرة جسدية على التحمل ومساحة كافية من الوقت لإتمامه بالشكل الأمثل، وقد كان من أهدافي الأساسية أن أقرب هذا النوع من الفن للناس، وأن أجعله متاحاً لكل طبقات وبيوتات المجتمع في الحضر والريف وغيرهما، وأنا أعتبر أنني حققت نجاحاً كبيراً في هذا الإطار، حيث قمت بتبسيط هذا الفن لعموم الشرائح المجتمعية، وقد ساعدني في ذلك أن الجداريات تفتح الآفاق، وتوسع الأماكن، وتمنح بعداً للنظر، كما تمنح إحساساً بالدهشة والسكينة، علماً أنها في ذات الوقت تشكل تحدياً للفنان من حيث رغبته في الانتصار على وحشة الأماكن وعزلتها الموغلة في الصمت.

* إلى أي المحطات وصل إبداعك وشغفك بالجمع بين الفن التشكيلي وعالم الموضة والأزياء؟
ــــ دخول عالم الموضة والأزياء إلى حيز الفنون التشكيلية، كان يمثل موجة من موجات التجديد عند الظهور الأول لهذا المزج والترابط، إلى أن تحول لاحقاً إلى مرحلة من مراحل التعبير الفني القائم على الخلق والابتكار الجامع بين الرسم والقماش، وبالنسبة لي كان انخراطي في هذه الموجة فرصة واعدة لاكتشاف مجال الموضة والأزياء حيث تعرفت على أبعاد فنية جديدة وتواصلت مع العديد من الأشخاص و المبدعين،
وكان لاجتماع الفنانين المنتمين إلى مدارس فنية مختلفة، أثره الكبير في إكسابي خبرات جديدة، والتعرف على تجارب وأفكار لم تكن مطروقة من قبل، وهو مجملاً ما منحني مساحة من تفتح الإدراك وازدياد الوعي، وأعطاني بعداً فنياً مبتكراً لصقل مواهبي وتجديد منطلقاتي في مجال الفن التشكيلي، ومن ثم ربطه بأجناس وأنماط وخامات فنية أخرى قريبة أو بعيدة.
* ما مدى رضاك عن تجربتك الفنية مع مصمم الأزياء ناجي سعادة؟ وهل سهلت لك هذه التجربة فرصة الدخول إلى كواليس عالم التمثيل والدراما؟
ــــ بالتأكيد أنا راضية كل الرضا عن تجربتي مع الصديق والمصمم اللبناني العالمي (ناجي سعادة) فهو فنان ذو خبرة واسعة، ومسيرته كانت جامعة بين الطب الذي شكل دراسته الأساسية وعمله المهني لفترة كبيرة قبل أن يتحول تحولاً مثيراً إلى عالم الموضة والأزياء. وفي الحقيقة كان تعاوننا سوياً مهماً للغاية من الناحية الفنية وعلى فترات مختلفة، ومن الناحية الإنسانية كذلك، حيث جمعنا تعاون فني خاص من خلال حملة إنسانية بعد انفجار مرفأ بيروت بلبنان في الرابع من آب 2020، حيث قمنا بالرسم على عباية لتكريم ضحايا هذا الانفجار المأساوي، وكانت تجربة مؤثرة ومن أصعب المشاعر لأنها كانت وليدة الألم والوجع.
وقد ارتدت هذا الفستان الإعلامية اللبنانية (رابعة الزيات) حيث تم بيعه بعد ذلك بــ 87 ألف دولار في مزاد علني مباشر على مدار يومين على شاشة قناة الجديد، وهو المبلغ الذي تم تخصيصه لإعانة عوائل الشهداء والمصابين في هذا الانفجار. ولكل هذا لست راضية فقط عن تجاربي مع (ناجي سعادة) وإنما تشرفت وازددت شرفاً بهذا التعاون.

* تملكين محترفاً خاصاً بتعليم الفن التشكيلي للشرائح المجتمعية صغاراً وكباراً، ما المردود الذي حققه هذا المحترف حتى الآن؟ وهل هناك استقطاب لبعض الفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة؟
ــــ المردود هنا هو مردود معنوي كبير وكبير جداً، فهنا محاولة لنقل متعة الفن إلى المواهب من الأطفال والأجيال الصغيرة، وهو أمر جميل جداً أن أعمل على تطوير الطاقات الفنية لهذه المراحل السنية البريئة التي تتلمس خطواتها الأولى نحو اكتشاف القدرات والمواهب، وهذا المحترف الذي يحمل اسم (Atelier Des Artistes) هو بالنسبة لي ليس فقط مساحة لتطوير المواهب وإنما مساحة للتشافي والانتصار للفن أيضاً، ولا يوجد مردود إيجابي أفضل وأجمل من هذا المردود الذي يمنحني إياه هذا المحترف، خاصة وأنه يستقطب فئات متنوعة من ذوي المشكلات والصعوبات المختلفة الحسية والمعنوية، حيث يأتي دور الفن في تحقيق الاستشفاء ودعم التعافي وتعزيز قبول الذات لدى هذه الفئات الصغيرة من الأطفال، فما أجمله من مردود.
* ما رأيك في ظاهرة الجرافيتي فنياً وجمالياً؟ وما رأيك فيها أيضاً خارج نطاق الفن من حيث إسهاماتها السياسية والاجتماعية؟
ــــ ظاهرة الجرافيتي من الظواهر التي ترافق المجتمعات المحفوفة بالغضب والوجع والسخط الشعبي، وهي من الظواهر التي أعتبرها إيجابية من الناحية الفنية والإنسانية؛ حيث تساعد بدورها على التشافي والتنفيث عن الشحنات السلبية المحيطة بأصحابها من الأفراد والشعوب، كما أنها من وسائل توثيق الحقبات الزمنية والأحداث الإنسانية، ولذلك فهي تنتشر في أماكن الحروب والمجاعات، وتمنح التعبير عن مشكلات متجذرة في تلك الأماكن، ومن ثم فإنه يجب النظر إلى هذه الظاهرة بطريقة خاصة تستحضر قيمتها الإنسانية والفنية إلى جانب قيمتها الإصلاحية والاستشفائية.
* ما الذي تعلمته وتأثرت به من التوجه الفني لأستاذك وملهمك الفني (حيدر الحموي)؟
ــــ الفنان الراحل الكبير الأستاذ (حيدر الحموي) أعتبره من أهم الرسامين اللبنانيين والعالميين، ومن حسن حظي أنني تتلمذت على يد فنان كبير مثله، فلم أتعلم منه فقط فن الرسم، ولكنني تعلمت منه أيضاً فن الحياة، لقد تعلمت منه بُعد النظر، وكيف أن الحب يمكن أن يكون محصوراً في لوحة، ومن خلاله تمكنت من اكتساب تقنيات فنية سريعة جعلتني أمارس الفن التشكيلي ضمن إطار نوعي وخاص يميزني عن غيري، وهو ما وضعني في مكان ومكانة بين فناني وفنانات الرسم والتشكيل، ولكل هذا فأنا مدينة لهذا الفنان الكبير بكل شيء في حياتي الفنية والإنسانية وبكل ما بلغته وأبلغه حالياً من نضج فني ومهني.
* كيف تقيمين التواصل الفني بين الأجيال داخل لبنان في الوقت الحالي؟
ــــ ليس متاحاً لي أن ألم بكافة جنبات المشهد الفني والتشكيلي داخل لبنان، ولكنني بصفة عامة أسعى إلى تعزيز الترابط ومد الجسور بين الأجيال المختلفة، ومن هذا المنطلق تجدني حريصة على تعليم الرسم لشخص يبلغ سبعين عاماً، بنفس حرصي على تعليم الرسم لطفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات، ولذلك أرى أنه من المهم أن ننقل الخبرات الفنية التي لدينا إلى الآخرين بطرق مختلفة، من سمبوزيوم وورش فنية وغيرها، وأيضاً في أماكن مختلفة بمصر والأردن ولبنان وجميع الأقطار العربية الأخرى؛ لأنه كلما اجتمعنا كفنانين، تزيد خبراتنا، وترقى تقنياتنا، وتتمدد جسورنا وروابطنا الفنية والإنسانية، مع بعضنا البعض، ومع الآخرين من حولنا، وهذا أمر مهم جداً في تطوير أنفسنا ومواهبنا.

* برأيك هل نجح فنانو لبنان التشكيليون في التعبير عن أزمات وأوجاع هذا البلد؟ وما الدور الذي يجب أن يعمل عليه الفنان اللبناني في الوقت الحاضر؟
ــــ أنا أعتبر أن الفنان هو مرآة المجتمع، ولا شك أنه يوجد في لبنان فنانون كثر استطاعوا من خلال فنهم ومن خلال أعمالهم التشكيلية أن يعبروا عن أوجاع لبنان وعن مآسي اللبنانيين، كما استطاعوا أن يدافعوا عن صورة لبنان وأن يقفوا بالمرصاد عبر الريشة والألوان لكل من حاول أو يحاول تشويه صورة هذا البلد في أعين العالم المتحضر، وفي الواقع لم يكن هذا فقط قاصراً على فنون التشكيل والرسم، وإنما ساهم فيه أيضاً كافة الفنون الأخرى مثل الدراما والسينما والموسيقى وغيرها. وعموماً الفنان اللبناني يتمتع بقدرة كبيرة على التأثير والتأثر سواء على المستوى الفني أو على المستوى الإنساني، ولذلك فجميع فناني لبنان يمتلكون طاقات خاصة من حيث التأقلم والتسامح، وهو ما مكنهم صراحة من تقديم لبنان الجميلة دوماً إلى العالم رغم الحروب والمحن والأزمات.
* أنت أصبت بالسرطان في عمر الأربعين!! وداهمك المرض مرة أخرى بعد الشفاء..ما الخلاصة الإنسانية والفنية التي خرجت بها من هذه التجربة المؤلمة؟
ــــ هذه التجربة كانت من أصعب التجارب الحياتية التي مررت بها، خاصة وأنني مررت بمرحلتين وكل مرحلة منهما كان لها وقعها ونتيجتها، وبالتالي تأثيرها المختلف في كل مرة، ولذلك فأنا أعتبر نفسي ولدت من جديد وأصبحت أنظر إلى الحياة بنظرة مختلفة بعد مرحلة مخاض عسيرة ومؤلمة، حيث كنت قد رفضت الانصياع في أول مراحل المرض للعلاجات القاسية، وقررت تحت إشراف إحدى المستشفيات الخاصة بألمانيا، الاعتماد بنفسي على علاجات بديلة من خلال اتباع نظام غذائي خاص والالتزام بتناول الفيتامينات الآمنة، وهي علاجات معظمها كان تحت التجربة وقتها، وقد نجحت في هذا الأمر خلال المرحلة الأولى، وتم الشفاء تماماً من المرض بعد عامين، ولكن للأسف ـــ أقول هذا من وجهة نظر خاصة وليست طبية ـــ عاودني المرض بعد ستة أشهر بعدما أجريت الاختبارات والتطعيمات الخاصة بكورونا (كوفيد19)، وهو ما اضطرني إلى العلاجات القاسية والاستئصال في مرحلة ثانية من المرض كانت صعبة للغاية بالنسبة لي كامرأة وكإنسانة، ولكنني أقول اليوم بأن المرض يمر بحياتنا ليس كأساس وإنما كحالة وعي محفزة على الصمود والصبر والتغيير، وبالتأكيد كان الفن مصدراً أساسياً من مصادر شفائي من هذا المرض. وهذا الوجع الذي عانيته تحول اليوم إلى طاقة إيجابية لمساعدة الكثير من الحالات التي تعاني نفس ما عانيته، وذلك عبر الفن والرسم وتعزيز الثقة بالشفاء.
* هل هذه التجربة المرضية المؤلمة كانت السر وراء اهتمامك لاحقاً بتوظيف الفن التشكيلي في التأهيل النفسي والعلاجي وتحليل الشخصيات عبر فنون الرسم والتشكيل؟
ــــ بكل تأكيد ساهمت تجربتي مع المرض في اكتشاف ما للفن من تأثير كبير في دعم الشفاء والاستشفاء معنوياً وحسياً، ولذلك كان إصراري بعد الشفاء على خوض تجربة توظيف فنون الرسم والتشكيل في دعم المرضى عبر ما يمكن تسميته بــ(العلاج بالفن)، حيث استطعت ــــ عبر دراسة أجريتها وشهادة تحصلت عليها ــــ أن أنقل وأعزز أهمية الفن في علاج المرض لدى الآخرين، وحقيقة لقد ساهم هذا عندي، في ظهور زوايا فنية جديدة ضمن طاقات وتجارب العطاء الفني والتشكيلي، ومن ثم فقد كانت رسالتي دوما هي رفع الصوت بأهمية الفن في علاج الأمراض وبأهميته في نشر الوعي، وبأن تجاربنا في الحياة مهما كانت صعبة وشاقة، إلا أنها تشكل طريقنا وذواتنا الصلبة والعفية والقادرة على الصمود والبقاء، وفي كل الأحول يبقى الفن من الركائز الأساسية للشفاء والتعافي.
* ماذا وجدت عند مطالعاتك رسومات الأطفال والمراهقين في محترفك الإبداعي وخلال زياراتك الميدانية داخل لبنان من رموز دالة على معاناتهم النفسية والمرضية؟
ــــ في تجربتي مع الإعلامي الشاب (ريان حايك) والتي زرنا خلالها المدارس التي لجأ إليها النازحون خلال الحرب الأخيرة في لبنان، لاشك أن الجلسات الفنية التي اشتغلت عبرها مع الأطفال، والتي جاءت بعد فترة من الصدمات التي عاشوها، كشفت عن نوعية من الرسومات المعبرة عن أشياء كثيرة متناقضة كان يغلفها الخوف والفزع من الحرب والعيش في أماكن مختلفة وبعيدة عن بيوتهم وواقعهم اليومي المعتاد، لقد اكتشفت وجعاً كبيراً، كما اكتشفت أملاً أكبر، ولكني حقيقة وجدت في هذه الرسوم العفوية انعكاساً طبيعياً لحجم الألم والمعاناة التي عاشها هؤلاء الأطفال، وجميعنا يعرف أن مثل هذه الحملات والرسومات ومثل هذه الأجواء الاحتوائية أثناء الحروب والأزمات، يمثل نوعاً من العلاج والتأهيل والدعم النفسي، وخلال حملتنا هذه كان يصاحبنا مختصون نفسيون للكشف عن الحالات التي تقتضي التدخل العلاجي العاجل والسريع والمستقل، وخاصة في الحالات التي يعجز خلالها الطفل عن التعبير تجاهها بالكلام أو بالرسم، وعموماً كانت معظم الزيارات التي أنجزناها خلال هذه الحملة بالنسبة لي، خير شاهد على قوة الرسم وفنون التشكيل في كشف المعاناة والمساعدة على تجاوزها.

* حدثيني عن التفاصيل الدقيقة التي تبني عليها فلسفتك اللونية داخل لوحاتك وجدارياتك؟ وإلى أي حد يلعب اللون دوراً في إيصال أفكارك إلى المتلقي؟
ــــ رغم قناعاتي الكبيرة بما قاله الفنان والموسيقي اللبناني الكبير (منصور الرحباني) بأن الفن لا يفسر، وبأنه من الصعوبة بمكان أن يستطيع الفنان أن يشرح فنه، إلا أنني حريصة دوماً على أن أنقل السلام والراحة من خلال لوحاتي، ولذلك أحاول قدر المستطاع ألا أرسم شيئاً وأنا موجوعة أو حزينة أو متضايقة، حتى لا تنعكس تلك الحالة على ما أقوم برسمه، وفي النهاية أجدني مهمومة بإسعاد الآخرين عبر الرسم، وبأن تكون لوحاتي مصدر راحة وسكينة لدى من يقتنيها ويعلقها على جداره أو داخل منزله، وليس مصدراً من مصادر نقل الوجيعة أو الألم، وهذا ليس معناه أنني لا أرسم الوجع، بل أرسمه ولكنني أحتفظ بلوحات الوجع والألم لنفسي، ولعل هذه هي فلسفتي، أن يكون اللون مساحة للحلم والراحة والصفاء، وليس للوجع.
* هل تجدين في تقنيات الذكاء الاصطناعي تحدياً كبيراً للفنان التشكيلي المعاصر؟ وماذا يتوجب على كل فنان تشكيلي حيال ذلك؟
ــــ لاشك أنه في ظل الأزمات المختلفة التي تمر بها مجتمعاتنا إلى جانب المستجدات الحضارية والتكنولوجية ومنها الذكاء الاصطناعي، أصبحت فنون التشكيل تواجه تحدياً كبيراً اليوم، حيث أصبح البعض ينظر إليها على أنها مجرد كماليات، خاصة في ظل سهولة الحصول على أنماط مختلفة وغير محدودة من اللوحات والرسومات التشكيلية المتولدة بهذه التقنية المخيفة، ولكنني مع ذلك أؤمن بأن الفنون التشكيلية الأصيلة ستظل تحتل مساحة كبيرة من اهتمام الناس وخاصة من يقدرون قيمة الفن ودوره في الحياة، ومن يثقون بأن اللوحة التشكيلية تزداد قيمة وثراءً كلما مر عليها الزمن وتغيرت العصور، ورغم تحديات الـ (copy) والـ (AI) وغيرهما من معطيات العصر الحالي والعصور القادمة بكل تقنياتها ومستحدثاتها، سيظل الفن التشكيلي فناً إنسانياً خالصاً له جمهوره ومحبوه. وقد ظهرت في فترات عدة تقنيات جديدة متسلطة على الفن، لكنها أبداً لم تستطع إلغاءه، وفرق كبير بين ما يرسم بإحساس بشري وما يرسم بتقنية صماء.
* بأية عين تنظرين إلى تفاعل المرأة اللبنانية مع الحدث اللبناني؟
ــــ أنظر إلى المرأة اللبنانية بعين الإكبار والتقدير، ليس لأني امرأة من لبنان، وإنما لأنني أعرف إلى أي حد تبلغ قوة المرأة في هذا البلد، وكيف لا وهي التي عاصرت الكثير من الصعوبات والأوجاع والمشاعر القاسية المغلفة بألم الفقد والحرب، ولعل الخسارات التي عاشتها هذه المرأة جعلتها مختلفة وعميقة ومرنة وعصية على الانكسار، ولذلك فأنا أرى أن المرأة اللبنانية اليوم هي حالة خاصة من الوعي، وهي قادرة حقاً على إحداث الفرق والتغيير، لأنها عاشت ومرت بتجارب كثيرة ومن ثم فهي أينما حلت أنارت وأضاءت ما حولها بالعطاء والفن والجمال.
* في الختام، ما مدى تواصلك مع رواد الفن التشكيلي في المحيطين الإقليمي والدولي؟ وماذا عن طموحك الفني خلال السنوات القادمة؟
ــــ بالتأكيد اليوم يعد التواصل جزءاً من التطور، ولذلك فنحن كفنانين لبنانيين وعرب في حاجة ماسة إلى التقارب والتواصل والالتحام، وعن نفسي أنا حريصة جداً رغم المشاغل ورغم أنني أم لطفلين، على التواصل الدائم مع محيطي الفني والتشكيلي والثقافي عموماً، سواء عبر الورش أو المعارض أو الزيارات الميدانية، وذلك من أجل تبادل النصائح والخبرات والتقنيات والاطلاع على تجارب مختلفة مع الفن وأنماطه الثرية التي لا تنتهي، وبالأخير يبقى طموحي الشخصي والفني مشرعاً على آفاق رحبة وجديدة ولا ينتهي هو الآخر أبداً، ولعل أقرب طموح هو الوصول بفني إلى أكبر شريحة جماهيرية وإنسانية، وأن أؤثر بشكل إيجابي في حياة الآخرين أينما كانوا.
اقرأ أيضاً: أفضل المسارات الفنية في بريطانيا لفصل الخريف
اقرأ أيضاً: الباحث والفنان محمود البقلاوة يكشف أسرار حضارة دلمون وعوالم الفن التشكيلي في لقاء خاص مع أرابيسك لندن
تراجع البطالة في بريطانيا: مؤشرات لا تعكس تحسن حقيقي في سوق العمل
وجهات وفعاليات مجانية يمكنك الاستمتاع بها في المملكة المتحدة
حظر الهواتف المحمولة في المدارس سيصبح قانوناً
قبل اختيار وجهتك السياحية .. احذر هذه الشواطئ الملوثة في بريطانيا
اليونان تخرج عن النص.. البراغماتية في مواجهة البيروقراطية الأوروبية
عاصفة ماندلسون: هل تنجو حكومة ستارمر من أزمة الثقة والتدقيق الأمني؟
قفزات قياسية بالأسعار: هل تتحول المطاعم العائلية في بريطانيا إلى رفاهية؟
الأزمات العالمية تغيّر شكل السياحة.. كيف سيقضي البريطانيون صيفهم القادم؟
ماذا تقول أجندة “UK Flag Forum 2026” عن أولويات لندن الصناعية؟
