دخلت البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى ومن ضمنها اقتصاد بريطانيا أسبوعاً يتسم بالحسم، مع تصاعد المخاوف من عودة التضخم إلى الواجهة بفعل ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب أسواق السندات العالمية. وتستعد الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا لاتخاذ قرارات بشأن أسعار الفائدة خلال الأيام المقبلة، في وقت أصبحت فيه مهمة تحقيق توازن بين كبح الأسعار والحفاظ على النمو أكثر صعوبة.
قرارات صعبة أمام البنوك
تأتي هذه القرارات بينما تشهد الأسواق المالية حالة من التوتر، مع ارتفاع أسعار النفط من جديد بسبب تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. وتجاوز سعر برميل النفط الخام حاجز 100 دولار خلال الأسبوع الماضي، للمرة الأولى منذ يوليو، قبل أن يتراجع قليلاً مع ظهور آمال ولو ضعيفة بإجراء محادثات تساعد على إعادة فتح الممرات المائية أمام حركة ناقلات النفط.
لكن الانخفاض المحدود في الأسعار لم يبدد المخاوف، إذ بقي النفط عند مستويات مرتفعة مقارنة بأشهر الصيف. ويعني استمرار ارتفاع الطاقة أن تكاليف النقل والإنتاج والتدفئة قد ترتفع من جديد، وهو ما يمكن أن ينعكس بشكل سريع على أسعار السلع والخدمات ويزيد الضغوط على المستهلكين.
التضخم في الولايات المتحدة يعقد قرار أسعار الفائدة
في الولايات المتحدة، يترقب المستثمرون قرار البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة وسط جدل متزايد حول المسار المستقبلي للسياسة النقدية. ويواجه صناع السياسات الضغوط لخفض أسعار الفائدة بهدف دعم الاقتصاد، مع الموازنة بين هذه الحاجة وضرورة مكافحة التضخم الذي لا يزال يتجاوز المستوى المستهدف.
وتشير البيانات الأخيرة إلى استقرار معدل التضخم السنوي عند 3.4%، وهو مستوى أعلى بكثير من المستهدف البالغ 2%. ومع عودة أسعار النفط للارتفاع، يخشى المستثمرون من انتكاسة في جهود كبح التضخم، مما قد يجعل خفض أسعار الفائدة أمراً أكثر صعوبة.
ويكتسب هذا القرار حساسية خاصة بفعل تأثير أسعار الفائدة على الاقتراض والاستثمار وسوق الإسكان، فأي رفع إضافي للفائدة من شأنه أن يزيد تكاليف التمويل على الشركات والأسر، في حين أن الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة قد يساعد في تهدئة الطلب وكبح جماح الأسعار.
اقرأ أيضاً: ميزانية بريطانية صعبة تقترب وسط ضغوط الحرب والتضخم
المملكة المتحدة تواجه تحدياً آخر
في المملكة المتحدة، تبدو الآفاق أكثر هدوءاً بشكل نسبي، حيث تشير التوقعات إلى بقاء أسعار الفائدة عند مستوى 3.75% في الاجتماع المقبل. ومع ذلك، فإن ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الطاقة يثير احتمال قيام صناع السياسات بتشديد السياسة النقدية مجدداً إذا استمرت الأسعار في الصعود.
وكان بعض أعضاء لجنة السياسة النقدية قد أيدوا سابقاً رفع أسعار الفائدة، كما أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة نمواً أقوى من المتوقع. ويثير هذا مخاوف من أن تؤدي زيادة النشاط الاقتصادي، مقترنة بارتفاع تكاليف الطاقة، إلى استمرار الضغوط التضخمية.
وتضع الأسواق في الوقت الحالي في الحسبان احتمال رفع أسعار الفائدة أربع مرات في المملكة المتحدة خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، ارتفاعاً من ثلاث مرات كانت متوقعة قبل الارتفاع الأخير في أسعار النفط.
اليابان تقترب من رفع أسعار الفائدة
تتجه الأنظار نحو اليابان، حيث تتزايد التوقعات برفع أسعار الفائدة إلى 1.25%، وهي خطوة مهمة لاقتصاد عانى طويلاً من انخفاض الأسعار وضعف التضخم. وفي حال المضي قدماً في هذا القرار، ستصل أسعار الفائدة إلى مستوى لم تشهده اليابان منذ أكثر من ثلاثة عقود. كما يتزامن هذا القرار مع تحسن أداء الين في أسواق العملات، وسط جهود رسمية للحفاظ على استقرار العملة.
وتسلط القرارات التي تتخذها هذه البنوك المركزية الثلاثة الضوء على تحدٍ مشترك يواجه الاقتصاد العالمي، فمعركة التضخم لم تنتهِ بعد، وقد تؤدي أسعار النفط المرتفعة بقوة إلى إعادة قضية أسعار الفائدة إلى صدارة المشهد الاقتصادي.
في ظل الحاجة إلى حماية القوة الشرائية وتعزيز النمو في آن واحد، تتقلص الخيارات المتاحة أمام صناع السياسات بشكل متزايد، إذ تترقب الأسواق عن كثب أي مؤشرات قد تحدد مسار الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة.