تبدو المؤشرات الاقتصادية البريطانية وكأنها تلتقط أنفاسها بعد أعوام مضطربة، فالناتج المحلي الإجمالي عاد ليسجل نمواً طفيفاً، والتضخم يتراجع مقارنة بذروته، وتزداد التوقعات بأن كلفة الاقتراض قد تهبط من جديد، غير أن هذا المشهد لا يكتمل من دون سؤال يطرق الأبواب بقوة، ماذا يعني أن يتحسن الرسم البياني بينما تتسع مساحة القلق في سوق العمل، وكيف تتحول الأرقام المطمئنة في العناوين إلى عبء يومي على فئات بعينها.
أرقام البطالة في بريطانيا
قدرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية معدل البطالة في بريطانيا عند 5.2% خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2025، وهي نسبة أعلى من تقديرات العام السابق ومن الربع السابق أيضاً، بالتوازي مع تراجع عدد العاملين على كشوف الرواتب سنوياً وفق بيانات الأجور الفورية.
ويقترح المكتب قراءة هذه النتيجة ضمن مجموعة مؤشرات تشمل عدد الشواغر وبيانات الإعانات، وفي هذا السياق بقيت الشواغر قريبة من 726 ألفا في نوفمبر 2025 إلى يناير 2026، بينما سجل عدد المطالبين بإعانات البطالة نحو 1.691 مليون في يناير 2026.
وبينما يلفت تقرير مكتبة مجلس العموم إلى أن عدد العاطلين بلغ نحو 1.88 مليون شخص، فإن القصة خلف الرقم لا تقف عند من فقدوا وظائفهم فقط، بل تمتد إلى من يطيلون البحث عن فرصة مستقرة، وهو ما يرفع كلفة الانتظار على الأسر ويزيد هشاشة الدخول.
تعافٍ اقتصادي أم تباطؤ
في المقابل، تشير تقديرات الناتج المحلي إلى نمو قدره 0.1% في الربع الأخير من 2025، مع كون الاقتصاد أعلى بنحو 1% مقارنة بالربع نفسه قبل عام، وهي قراءة تمنح الحكومة والأسواق مادة للحديث عن التعافي، لكن التفاصيل التي ينشرها مكتب الإحصاءات توضح أن النمو قادته زيادة في قطاع الإنتاج، في حين تراجع البناء وبقيت الخدمات بلا نمو يذكر.
كما يوضح المكتب أن الناتج للفرد انخفض للربع الثاني على التوالي، وهي إشارة يقرأها بعض الاقتصاديين على أنها تذكير بأن التحسن الإجمالي قد لا يترجم تلقائياً إلى رفاه أوسع، وهو ما يعيد النقاش حول مستوى المعيشة الحقيقي لا حجم الاقتصاد إلى الواجهة.
الأجور والأسعار تحت الضغط
تُظهر بيانات سوق العمل أن نمو الأجور الاسمية تباطأ، إذ بلغ متوسط نمو الأجور المنتظمة 4.2% في الفترة نفسها، مع تباين واضح بين القطاع العام الذي سجل 7.2% والقطاع الخاص عند 3.4%، أما الأجور الحقيقية بعد احتساب التضخم فزادت بنحو 0.5% وفق مؤشر CPIH، وتبدو هذه الهوامش ضيقة بالنسبة لأسر ما زالت توازن بين الإيجارات وفواتير الطاقة والغذاء.
وفي الوقت نفسه تشير بيانات التضخم إلى تراجع المعدل السنوي إلى 3% في يناير 2026، وهو ما دفع محللين إلى ترجيح خفض جديد للفائدة إذا استمر المسار الهابط للأسعار.
الشباب والشركات في الواجهة
في سوق عمل يتغير بسرعة، تتجمع المخاطر عادة عند الأطراف، فالمكاتب البرلمانية تشير إلى ارتفاع بطالة الشباب إلى أعلى مستوياتها منذ منتصف العقد الماضي، بينما يرى بعض خبراء التوظيف أن الشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر حساسية لأي ارتفاع في كلفة التوظيف أو ضعف في الطلب، لذلك قد تميل إلى تجميد التعيينات قبل اللجوء إلى تسريحات واسعة، ويعني ذلك أن العبء قد يقع على الداخلين الجدد إلى السوق، وعلى العقود المؤقتة، وعلى قطاعات تعتمد على الاستهلاك اليومي مثل التجزئة والخدمات.
سياسات مطروحة وأسئلة مفتوحة
يحاول صانعو السياسة النقدية موازنة مسارين متعاكسين، فبنك إنجلترا أبقى سعر الفائدة عند 3.75% في اجتماعه المنتهي في 4 فبراير 2026 مع انقسام داخل اللجنة بين التثبيت والخفض، بينما تتحدث مؤسسات بحثية مثل معهد الدراسات المالية عن احتمال أن تبلغ البطالة ذروتها خلال 2026 قبل أن تتراجع تدريجياً إذا انعكس التيسير النقدي على النشاط.
وبين هاتين الروايتين يبرز سؤال من يدفع ثمن الخبر السار، إذ يستفيد المقترضون إذا هبطت الفائدة، وقد تلتقط الاستثمارات أنفاسها إذا تحسن التمويل، لكن العاملين الذين يواجهون فقدان الوظيفة أو انخفاض ساعات العمل يختبرون الواقع قبل أن يصلهم أثر التعافي على الورق، ولهذا تظل البطالة في بريطانيا مؤشراً حاسماً لقياس توزيع المكاسب وليس مجرد رقم في نشرة اقتصادية فعلياً.
اقرأ أيضاً: جنون البطالة .. هذا ما يجب على الحكومة البريطانية فعله!