في العالم الحديث الحالي، أصبح الإنسان محاطاً بكم هائل من المؤثرات التي تساهم في تشكيل سلوكه اليومي، ويأتي في مقدمتها مجالا التكنولوجيا والغذاء. فالتطور السريع في الصناعات الغذائية والتقنيات الرقمية لم يغير فقط أساليب الإنتاج والاستهلاك، بل بات يؤثر في الإنسان وطريقة تفكيره والقرارات اليومية له.
يشير الباحث الدنماركي Niklas Brendborg إلى أن كثيراً من هذه التأثيرات يمكن فهمها من خلال مفهوم علمي يعرف باسم “المحفزات الفائقة”، وهي مؤثرات صناعية صممت لتكون أكثر جاذبية من نظيراتها الطبيعية، مما يجعل الإنسان يميل إليها بشكل قوي.
المحفزات الفائقة وتفسير السلوك البشري
يوضح الباحث، أن الكائنات الحية تطورت عبر ملايين السنيين للاستجابة لمؤثرات طبيعية محددة تساعدها على البقاء. لكن عندما تظهر مؤثرات صناعية مبالغ فيها، قد تنجذب لها الكائنات أكثر من المؤثرات الأصلية.
ويستشهد الباحث بتجارب علمية على الحيوانات، أظهرت أن بعض الطيور قد تفضل بيضاًصناعياً وملونناً على بيضها الحقيقي، وذلك لأن غرائزها البيولوجية تستجيب للحجم واللون الأكثر وضوحاً. هذا المثال يوضح أن الغرائز التي تطورت في الطبيعة يمكن خداعها بسهولة في حال واجهت مؤثرات مصممة بطريقة مبالغ فيها.
التكنولوجيا وصناعة الغذاء الجذاب
يشرح Niklas Brendborg أن الإنسان تطور ليحب الطعم الحلو لأنه كان يدل في الماضي على الغذاء الغني بالطاقة والآمن للاستهلاك. لكن التكنولوجيا الحديثة في الصناعات الغذائية سمحت بإنتاج أطعمة تحتوي على مستويات عالية من السكر والدهون والملح، وهي مكونات تجعل الطعام أكثر جاذبية للدماغ من الأطعمة الطبيعية.
نتيجةً لذلك، يميل الكثير من الناس إلى استهلاك كميات كبيرة من الأطعمة المصنعة، وهو ما يساهم في انتشار مشكلات صحية مثل زيادة الوزن وأمراض التغذية.
اقرأ أيضاً: كيف تهدد زيادة الضرائب وأسعار الغذاء جيوب الأسر؟
التكنولوجيا الرقمية وتأثيرها على الدفاغ
يشير الباحث إلى أن تطبيقات الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، صممت لتستغل حاجة لإنسان الطبيعية إلى التواصل والتقدير الاجتماعي. الإعجاب والتعليقات والإشعارات المتكررة تمنح المستخدم شعوراً بالمكافأة السريعة، ذلك ما يدفعه إلى العودة إلى هذه التطبيقات بشكل مستمر ومتسارع.
لكن مع مرور الوقت، فإن الاستخدام المفرط للتكنولوجيا يؤدي إلى الشعور بالعزلة والتوتر، على الرغم من أن هذه التقنية قد تم تصميمها لتعزيز التواصل بين الناس. إلى جانب أن نمط التفاعل المستمر مع السوشيال ميديا يؤثر في قدرة الإنسان على التركيز لفترات طويلة.
فالتنقل السريع بين الإشعارات والمنشورات والفيديوهات القصيرة، يخلق نمطاً يعتاد الدماغ فيه على التحفيز المتكرر والمكافآت الفورية، ومع مرور الوقت قد يجد الأفراد صعوبة في الانخراط في أنشطة تتطلب صبراً وتركيزاً أطول، مثل القراءة وحتى الدراسة.
التعرض للتكنولوجيا باستمرار، يخلق حالة المقارنات الاجتماعية المتكررة عبر الإنترنت، التي لها دور فعال حالياً في تشكيل المشاعر والسلوكيات. فعندما يتعرض المستخدم لصور أو قصص عن نجاح الآخرين أو حياتهم المثالية، قد يبدأ في إجراء مقارنات غير واعية بين حياته الشخصية وما يراه على الشاشة. ما ينعكس على تقدير الفرد لذاته ويخلق له شعوراً بعدم الرضا،حتى ولو كانت الصور لا تعكس الواقع كاملاً كما هو.
استعادة التوازن في عالم التكنولوجيا والغذاء
رغم قوة هذه المؤثرات، يؤكد Niklas Brendborg أن الإنسان قادر على استعادة قدر من السيطرة على عاداته اليومية. فالتقليل من استهلاك الأطعمة المصنعة، والاعتماد أكثر على الغذاء الطبيعي، إضافة إلى تنظيم استخدام التكنولوجيا والهواتف الذكية، يمكن أن يساعد في تقليل تأثير المحفزات الفائقة. بذلك يصبح التحدي الحقيقي في العصر الحديث ليس في تجنب التكنولوجيا أو الغذاء الصناعي بالكامل، بل في استخدامهما بطريقة متوازنة تحافظ على صحة الإنسان واستقراره النفسي.
ويؤكد الباحث إلى أن الخطوة الأولى في طريق التوازن تبدأ من خلال “الوعي”. فعندما يدرك الإنسان أن كثيراً من المنتجات الغذائية والتطبيقات الرقمية صممت خصيصاً لجذب انتباهه وتحفيز استهلاكه، يصبح أكثر قدرةً على اتخاذ قرارات واعيه بشأن ما يأكله وكيف يقضي يومه.
كما أن تبني عادات يومية بسيطة يمكن أن يكون له تأثير كبير على المدى الطويل، على سبيل المثال: تخصيص أوقات محددة لاستخدام الهاتف، الابتعاد عن الأجهزة الرقمية قبل النوم، الاهتمام بإعداد وجبات منزلية تعتمد على مكونات طبيعية وطازجة. هذه الممارسات بسيطة جداً، وتساعد تدريجياً في تقليل الاعتماد على المحفزات المفرطة التي أصبحت جزءاً من الحياة الحديثة.
ختاماً، يرى الباحث، أن التكنولوجيا بحد ذاتها يمكن أن تكون جزءاً من الحل في حال تم استخدامها بوعي. فالتطبيقات الصحية، والمعلومات الغذائية المتاحة عبر الإنترنت، والتقنيات الحديثة في إنتاج الغذاء يمكن أن تساهم في تحسين نمط الحياة بدل الإضرار به. لذلك الهدف ليس الابتعاد عن التقدم التكنولوجي، بل توجيهه بطريقة تخدم صحة الإنسان وتساعده على بناء حياة أكثر توازناً.