تواجه بريطانيا معادلة مالية ضيقة. عدد أكبر من السكان يدخل سن التقاعد، وكلفة الصحة والرعاية تميل إلى الصعود، والإنفاق الدفاعي يعود إلى واجهة السياسة بعد سنوات طويلة كان فيها أقل ضغطاً على الميزانية. تقرير مكتب مسؤولية الميزانية الصادر في يوليو 2026 وضع هذه العناصر في صورة واحدة، وقال إن معظم السيناريوهات طويلة الأجل تدفع الدين العام في النهاية إلى مسار غير قابل للاستدامة إذا بقيت السياسات من دون تعديل واضح.
المشكلة لا تظهر في سنة واحدة. أرقام المالية العامة الحالية تعطي خلفية كافية لفهم القلق: مكتب الإحصاءات الوطني قدر الدين العام بنحو 94.2% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية أبريل 2026، عند مستويات لم تُسجل منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، كما قدر الاقتراض في السنة المالية المنتهية في مارس 2026 بنحو 129 مليار جنيه. وفي أبريل وحده بلغ الاقتراض 24.3 مليار جنيه، مع فوائد دين حكومي وصلت إلى 10.3 مليارات جنيه في ذلك الشهر. هذه ليست نهاية القصة، لكنها تكشف ضيق الهامش قبل أن تبدأ الضغوط الأكبر.
المالية العامة البريطانية بعد الهامش الضيق
يرى مكتب مسؤولية الميزانية أن الدين لا يتحرك على مسار خطر فوراً في السيناريو الأساسي، لكنه يبدأ بالصعود بعد أوائل الثلاثينيات ويصبح أوضح في الأربعينيات. التقرير يشير إلى أن الإنفاق الأولي، أي الإنفاق من دون فوائد الدين، قد يرتفع من نحو 39.8% من الناتج المحلي الإجمالي في 2030-2031 إلى 48.6% في 2075-2076. هذا تغير كبير في حجم الدولة والالتزامات المطلوبة منها.
السبب الأول ديمغرافي. في افتراضات المكتب، يبلغ عدد سكان بريطانيا ذروته عند أقل قليلاً من 73 مليون نسمة في منتصف خمسينيات هذا القرن، ثم يتراجع إلى نحو 71.5 مليوناً بحلول 2075. الأهم من العدد نفسه أن العمر الوسيط يرتفع من 40 عاماً في 2025 إلى 49 عاماً في 2075. عندما يتقدم العمر الوسيط بهذا الشكل، تزيد الحاجة إلى المعاشات والرعاية الصحية والاجتماعية، بينما تبقى الإيرادات الضريبية مرتبطة أساساً بالعمل والدخل والاستهلاك في سن النشاط.
هذه المعادلة تضع السياسة المالية أمام سؤال صعب. بريطانيا تستطيع رفع الضرائب، أو ضبط بعض بنود الإنفاق، أو تحسين النمو والإنتاجية، أو الجمع بين هذه الخيارات بدرجات مختلفة. لكن التقرير يقدر أن الحفاظ على الدين عند 95% من الناتج في نهاية فترة الإسقاط يتطلب، في السيناريو الأساسي، تحسناً دائماً في الرصيد الأولي بنحو 3.8% من الناتج بدءاً من 2031-2032. هذا رقم يساوي تقريباً ضريبة بحجم ضريبة الشركات المحلية، أو قريباً من حجم الإنفاق الحالي على التعليم في تلك السنة، وفق مقارنة المكتب نفسه.
الصحة والشيخوخة: ضغط لا تؤجله الميزانية
الصحة هي البند الأوضح في هذا المسار. تقرير 2026 يتوقع أن يرتفع الإنفاق الصحي من نحو 8.4% من الناتج في 2030-2031 إلى 13.5% في 2075-2076. الارتفاع لا يأتي من الشيخوخة وحدها. هناك أيضاً كلفة التكنولوجيا والعلاجات الجديدة، وضعف نمو الإنتاجية في القطاع الصحي مقارنة ببقية الاقتصاد، وانتشار الأمراض المزمنة، وتراجع مؤشرات الصحة الجيدة لدى بعض الفئات العاملة.
الحكومة حاولت في مراجعة الإنفاق 2025 إظهار أولوية الصحة. الوثيقة الرسمية تحدثت عن زيادة حقيقية قدرها 29 مليار جنيه في الإنفاق اليومي السنوي على هيئة الخدمات الصحية الوطنية بين 2023-2024 و2028-2029، بما يرفع الإنفاق إلى 226 مليار جنيه في 2028-2029، إضافة إلى زيادة حقيقية في الإنفاق الرأسمالي لوزارة الصحة والرعاية الاجتماعية. هذا يوفر تمويلاً للسنوات القريبة، لكنه لا يعالج وحده الاتجاه الطويل الذي يرصده مكتب مسؤولية الميزانية.
المعاشات تضيف ضغطاً آخر. في سيناريو المكتب الأساسي، يرتفع إنفاق معاش الدولة من 5% إلى نحو 9% من الناتج خلال خمسين عاماً. ويؤدي نظام الرفع الثلاثي للمعاشات دوراً مهماً في هذا المسار، إذ يرفع المدفوعات سنوياً وفق الأعلى بين نمو الأجور والتضخم و2.5%. المكتب يقدر أن اعتماد ربط المعاشات بنمو متوسط الأجور بدلاً من الرفع الثلاثي كان سيجعل إنفاق المعاشات عند نحو 7% من الناتج في نهاية الفترة. لذلك لم يعد النقاش حول المعاشات اجتماعياً فقط، بل أصبح جزءاً من سؤال أوسع عن توزيع العبء بين الأجيال.
الرعاية الاجتماعية للبالغين تتحرك في الاتجاه نفسه، وإن بحجم أصغر. تقديرات المكتب تضعها عند 1.2% من الناتج في 2030-2031 وترفعها إلى 1.8% في نهاية الفترة. الزيادة تبدو محدودة مقارنة بالصحة، لكنها ترتبط بفئة شديدة الحساسية: من تجاوزوا الثمانين والخامسة والثمانين، حيث تتصاعد الحاجة إلى الرعاية اليومية وطويلة الأمد.
الدفاع يعود إلى الحسابات اليومية
البند الثالث هو الدفاع. لفترة طويلة استفادت بريطانيا من تراجع حصة الدفاع في الناتج، بينما توسعت الصحة والضمان الاجتماعي. معهد الدراسات المالية يذكر أن الإنفاق الصحي ارتفع من 2.8% من الناتج في 1955-1956 إلى 8.4% في 2022-2023، بينما انخفض الدفاع من 7.6% إلى 2.2% خلال الفترة نفسها. هذا التحول منح الحكومات مساحة للتحرك. اليوم تتغير البيئة الأمنية، وتعود كلفة الدفاع إلى قلب النقاش المالي.
بعد قمة لاهاي لحلف شمال الأطلسي في 2025، التزم الحلفاء بهدف إنفاق 5% من الناتج على الدفاع والأمن بحلول 2035، مقسمة بين 3.5% للإنفاق الدفاعي الأساسي و1.5% للأمن والمرونة والبنية المرتبطة بهما. مكتب مسؤولية الميزانية أدخل في سيناريوهاته التزام بريطانيا ببلوغ 3.5% للإنفاق الدفاعي الأساسي بحلول 2035. في جدول الإنفاق الأساسي، يظهر الدفاع مرتفعاً من 2.7% من الناتج في 2030-2031 إلى 3.5% في 2035-2036 وما بعدها.
هذا لا يعني أن الدفاع ينافس الصحة بنداً بنداً في كل سنة، لكنه يغير الحساب السياسي. عندما تصعد الصحة والمعاشات والرعاية بسبب العمر والسكان، ثم يضاف إليها مسار دفاعي صاعد، يصبح تضييق الإنفاق في الوزارات الأخرى أصعب. كما أن رفع الضرائب يواجه حدوداً سياسية واقتصادية، والاعتماد على الاقتراض يرفع حساسية الأسواق تجاه الدين والفوائد.
المفارقة أن كل ملف من الملفات الثلاثة يملك مبررات قوية. السكان الأكبر سناً يحتاجون إلى معاشات ورعاية، والنظام الصحي يحتاج إلى تمويل كي يخفف قوائم الانتظار ويحسن الخدمة، والدفاع يكتسب أولوية في بيئة دولية أكثر اضطراباً. لكن جمع هذه الالتزامات داخل ميزانية واحدة هو موضع الضغط الحقيقي. لا تكفي الوعود العامة عن النمو إذا لم تتحول إلى إنتاجية أعلى وإيرادات أكثر استقراراً.
تظهر هنا أهمية توقيت الإصلاح. مكتب مسؤولية الميزانية يقول إن التحرك المبكر أقل كلفة من الانتظار. فإذا تأجلت المعالجة حتى 2052-2053، يقدر أن التحسن المطلوب في الرصيد الأولي قد يصل إلى نحو 8% من الناتج، وهو قريب من حجم الإنفاق الصحي الإداري كله، أو ما يعادل زيادة ضريبية كبيرة جداً. بهذا المعنى، المشكلة ليست مؤجلة إلى جيل بعيد. القرارات التي تؤخذ خلال العقد المقبل ستحدد حجم الكلفة اللاحقة ومن يتحملها.
الخلاصة أن بريطانيا لا تواجه بنداً واحداً يمكن حله بقرار منفرد. الضغط يأتي من اجتماع الشيخوخة والصحة والدفاع مع دين مرتفع وفوائد أكثر حساسية. الطريق الأقل كلفة يمر عبر إصلاحات تدريجية ومعلنة: تحسين إنتاجية الخدمات الصحية، حسم قواعد المعاشات بوضوح، تمويل الدفاع بمسار مفهوم، وفتح نقاش صريح حول الضرائب والإنفاق. تأجيل هذا النقاش سيجعل الخيارات اللاحقة أضيق وأقسى.
اقرأ أيضاً: القمار والفقر في بريطانيا: من يربح… ومن يدفع الثمن؟