مال وأعمال
الحافلات في ويست ميدلاندز: هل سيتراجع نموذج الخصخصة البريطاني؟
نشر
منذ شهرينفي
596 مشاهدة
By
ahmed.ali
ستدفع سلطة ويست ميدلاندز المشتركة (West Midlands Combined Authority) نحو 24 مليون جنيه إسترليني كحصيلة أولية صافية لشراء عمليات ناشيونال إكسبرس في المنطقة، لكنها ستتسلم أصولاً قيمتها الاسمية نحو 102 مليون جنيه والتزامات تقتطع قرابة 78 مليوناً من تلك القيمة. الصفقة تحمي مشغلاً ينفذ نحو 94% من رحلات الحافلات، ويضم قرابة 4800 موظف و1300 حافلة وتسعة مستودعات. هذه ليست عملية شراء صغيرة، لكنها أيضاً ليست تأميماً وطنياً بسيطاً كما قد يوحي القول إن الحافلات «عادت إلى يد الدولة».
ما وافق عليه مجلس السلطة في 18 أغسطس 2026 هو استحواذ مُدار على أعمال ناشيونال إكسبرس ويست ميدلاندز من مجموعة موبيكو (Mobico). ستوضع العمليات في شركة ويست ميدلاندز باص ليمتد (West Midlands Bus Limited)، وهي شركة تابعة للسلطة لكنها تعمل على مسافة إدارية منها. تبقى الخدمات والتذاكر والجداول كما هي خلال التسليم المتوقع في الخريف، فيما تشير موبيكو إلى إغلاق قريب من نوفمبر. ثم تعمل الشركة العامة مؤقتاً لحفظ استقرار الشبكة إلى أن تنتقل المنطقة، على مراحل من 2027 إلى 2029، إلى نظام الامتيازات.
هذه النقطة هي مفتاح فهم التحول. الامتياز يعني أن السلطة العامة تحدد المسارات والجداول والأسعار ومعايير الخدمة، ثم تدفع لمشغلين بموجب عقود لتنفيذها. وقد يكون المشغل شركة خاصة. أما الشركة التي ستشتريها السلطة الآن فلن تتقدم، وفق الخطة المعلنة، للمنافسة على خطوط الامتياز الجديدة. لذلك تجمع ويست ميدلاندز بين ملكية عامة انتقالية لأكبر مشغل وبين سوق تعاقدي سيعود فيه القطاع الخاص إلى تشغيل خدمات صممتها السلطة العامة.
خصخصة الحافلات البريطانية تحت الاختبار
بدأ النموذج الذي تتراجع عنه المنطقة مع قانون النقل لعام 1985، الذي حرر خدمات الحافلات خارج لندن من التنظيم المركزي اعتباراً من 1986. صار المشغل يختار الخط والجدول والسعر في الخدمات التجارية، وتتدخل السلطة المحلية لدعم خطوط لا يراها السوق مربحة. بقيت لندن استثناءً، إذ صممت هيئة النقل الشبكة وتعاقدت مع شركات خاصة لتشغيلها. لاحقاً بيعت شركات بلدية وإقليمية عديدة، واشترت ناشيونال إكسبرس شركة ويست ميدلاندز ترافل في 1995.
كان الوعد أن تجلب المنافسة مرونة وكلفة أقل وابتكاراً. لكن المنافسة على الطريق نفسه لم تستمر بالشكل النظري في مناطق كثيرة. ظهرت أسواق يهيمن عليها مشغل أو اثنان، وأصبحت الخطوط الضعيفة تعتمد على دعم عام، فيما يصعب على السلطة دمج التذكرة والجدول بين شركات مختلفة. في ويست ميدلاندز، سيطرة ناشيونال إكسبرس على 94% من الرحلات تعني أن السوق الخاص يعمل فعلياً حول مشغل شبه احتكاري، لا حول عشرات الشركات التي تتنافس يومياً على الراكب.
الأرقام الوطنية لا تقدم تجربة مخبرية تثبت أن التحرير وحده سبب التراجع، لكنها تظهر مشكلة طويلة. وفق وزارة النقل، انخفضت أميال تشغيل الحافلات في إنجلترا خارج لندن 28% بين السنة المنتهية في مارس 2005 والسنة المنتهية في مارس 2025. وبلغ متوسط الرحلات للفرد خارج لندن 37 رحلة في 2025، بعدما كان 55 في ذروة 2009. وسجلت المناطق خارج لندن 1.85 مليار رحلة في 2025، مع تعافٍ بعد الجائحة لكنه بقي دون الاتجاه السابق.
ينبغي الحذر في تفسير ذلك. تغير العمل عن بعد، وملكية السيارات، والتسوق الإلكتروني، والجائحة، ونقص السائقين، كلها أثرت في الطلب والعرض. حتى لندن المنظمة شهدت انخفاضاً عن ذروتها في 2014. لذلك لا يمكن نسب كل رحلة مفقودة إلى الخصخصة، ولا افتراض أن الملكية العامة تعيد الركاب تلقائياً. لكن استمرار انخفاض المسافات التجارية واعتماد عدد متزايد من الخطوط على الدعم يضعف الادعاء بأن السوق يستطيع وحده ضمان شبكة شاملة.
في السنة المنتهية في مارس 2025، بلغ صافي دعم الحافلات المحلية في إنجلترا خارج لندن نحو 1.9 مليار جنيه، أو 102 بنس لكل رحلة، وارتفع الدعم الحقيقي مقارنة بالعام السابق. وفي ويست ميدلاندز تقول السلطة إنها تقدم أكثر من 50 مليون جنيه سنوياً، وإن المشغلين حذروا من تعرض نصف الخدمات الحالية للخطر من دون ذلك. الدولة كانت تمول الشبكة بالفعل، لكنها لم تكن تملك القرار الكامل بشأن شكلها. الامتياز يحاول جمع المسؤولية المالية مع سلطة التخطيط.
ماذا اشترت ويست ميدلاندز فعلياً؟
تشرح أرقام موبيكو لماذا بدا الاستحواذ أرخص وأغلى في آن واحد. القيمة الاسمية للأصول تقارب 102 مليون جنيه وتشمل أساساً المستودعات وأسطول الديزل، مع 6.5 ملايين جنيه نقداً للتشغيل. تُخصم نحو 78 مليوناً مقابل التزامات تنتقل مع الأعمال، من بينها المعاشات وعقود المركبات الكهربائية وكلفة توظيف وتحوطات وقود. النتيجة دفعة أولية صافية تقارب 24 مليون جنيه، ثم 5.5 ملايين مؤجلة، واحتمال 9.9 ملايين إضافية إذا تراجعت السلطة عن الامتياز قبل مايو 2028.
الصفقة، إذاً، ليست شراء حافلات بسعر مخفض فحسب. السلطة تتسلم موظفين وعقوداً ومخاطر تشغيلية والتزاماً باستمرار الخدمة. كان عجز المعاشات المحاسبي وفق معيار IAS 19 يبلغ نحو 53 مليون جنيه في 31 مارس 2026، وتنتقل التزامات إيجار تقارب 25 مليوناً. حققت الأعمال إيرادات قدرها 338 مليون جنيه خلال 15 شهراً حتى نهاية مارس، وربحاً تشغيلياً معدلاً بمليوني جنيه فقط. وبعد استبعاد مكاسب بيع أصول، كانت هامشياً خاسرة.
تقدم هذه البيانات حجتين متعارضتين. الأولى أن السلطة أنقذت بنية لا يمكن السماح بانهيارها بعد أن قررت الشركة الأم تقليل مخاطرها والخروج من سوق يتجه إلى الامتياز. الحافلات تمثل نحو 80% من رحلات النقل العام في المنطقة وتحمل قرابة 4.6 ملايين رحلة أسبوعياً. تعطل المشغل الأكبر كان سيهدد العمل والمدارس والمستشفيات والوظائف. والحجة الثانية أن القطاع العام يشتري نشاطاً ضعيف الربحية مع التزامات كبيرة، وقد يتحمل دافع الضرائب كلفة أعلى إذا لم يتحسن التشغيل.
اختلاف الأرقام بين 1300 حافلة في بيان السلطة ونحو 1400 في بيان موبيكو لا يعني بالضرورة تناقضاً جوهرياً. قد يعكس تاريخ القياس أو تعريف الأسطول العامل والأصول المشمولة. الشيء نفسه ينطبق على وصف قيمة الصفقة. 102 مليون هي قيمة الأصول قبل الالتزامات، و24 مليوناً هي الحصيلة الأولية المتوقعة للبائع بعد الخصومات، وليستا سعرين متنافسين للشيء نفسه. نشر هذه التفاصيل مهم لأن العنوان السياسي عن استعادة الحافلات يمكن أن يخفي ميزانية معقدة.
أقامت السلطة الشركة التابعة على أساس استقلال الإدارة اليومية. هذا يحد من خطر أن تتحول كل شكوى تشغيلية إلى قرار سياسي مباشر، ويسمح باستبقاء خبرة الموظفين. لكنه يخلق أيضاً سؤال المساءلة. من يتحمل خسارة التشغيل خلال الانتقال، ومن يقرر زيادة الأجور أو شراء أسطول، وما العلاقة بين مجلس الشركة والسلطة المنتخبة؟ الملكية العامة لا تضمن الشفافية ما لم تنشر الحسابات ومؤشرات الأداء وعقود الإدارة.
سيستمر الوضع الانتقالي حتى بدء أول امتيازات في كوفنتري وشمال برمنغهام ووالسال في أكتوبر 2027، ثم دودلي وساندويل وولفرهامبتون في 2028، وصولاً إلى سوليهال وجنوب برمنغهام في 2029. اشترت السلطة بالفعل حافلات ومستودعات لتقليل كلفة دخول الشركات الصغيرة ومنع المشغل الحالي من امتلاك ميزة لا يمكن منافستها. الهدف ليس تشغيل عام دائم لكل خط، بل منافسة على العقد بدلاً من منافسة غير متكافئة على الطريق.
هل يتراجع النموذج مدينةً بعد أخرى؟
الأدق القول إن التراجع يحدث منطقةً بعد أخرى داخل إنجلترا، لا مدينةً منفردة ولا بريطانيا كلها. اسكتلندا وويلز تملكان أطرهما، فيما ترتبط التحولات الإنجليزية بصلاحيات السلطات المحلية ورؤساء البلديات. لندن لم تطبق نموذج التحرير نفسه أصلاً. وأصبحت مانشستر الكبرى أول منطقة خارج لندن تعيد الشبكة كاملة إلى الامتياز عبر شبكة بي نتورك (Bee Network)، بعد بدء الانتقال في 2023 وإكماله لاحقاً.
ويأتي ليفربول سيتي ريجن في المسار نفسه، مع بدء نقل الخدمات إلى السيطرة العامة في سبتمبر 2026، بينما تبحث مناطق أخرى ترتيبات امتياز أو شراكات معززة. قانون خدمات الحافلات لعام 2025 وسّع المسار القانوني والسياسي المتاح للسلطات، وحكومة أندي برنهام (Andy Burnham) قدمت صفقة ويست ميدلاندز بوصفها بداية لتوطين الخدمات الأساسية. يخلق ذلك تأثير تعلم. كل منطقة تنجح في إعداد العقود والتذاكر المتكاملة تقلل الخوف الإداري لدى المنطقة التالية.
لكن النموذج لن ينتشر آلياً. إعداد امتيازات يحتاج سنوات من البيانات والمشاورات والقدرة على تصميم شبكة وتحمل مخاطر الإيراد. المنطقة الريفية ذات الطلب المتناثر لا تشبه برمنغهام أو مانشستر. والسلطة التي لا تملك مستودعات أو ميزانية انتقال قد تجد الدخول أصعب. كما يمكن للشركات الخاصة أن تطلب أسعاراً مرتفعة إذا كان عدد المتنافسين قليلاً، فتتحول المنافسة على العقد إلى احتكار متجدد بعقد طويل.
اختبار الركاب أبسط من السجال الأيديولوجي. هل تصبح التذكرة صالحة عبر الشبكة؟ هل تتصل الحافلات بالقطارات والترام؟ هل تستمر خدمات المساء والأحياء الفقيرة؟ هل تنخفض الإلغاءات ويتحسن الالتزام بالوقت؟ في 2025 عمل 80% فقط من الخدمات الإنجليزية غير المتكررة ضمن تعريف الوزارة للموعد، أي من دقيقة مبكرة إلى أقل من ست دقائق متأخرة. سيُقاس الامتياز بقدرته على رفع هذه النسبة ونشر بيانات يمكن للناس فهمها.
الأسعار اختبار آخر. السيطرة العامة تمنح رئيس البلدية قدرة على تحديد هيكل التعرفة، لكنها لا تلغي الكلفة. إذا خُفضت الأجرة من دون زيادة ركاب أو تمويل ثابت، ينتقل العجز إلى الميزانية. وإذا سعت السلطة إلى موازنة الحسابات برفع الأسعار، يفقد النموذج وعده الاجتماعي. الحل الأقوى هو دمج التعرفة وزيادة عدد الرحلات وتحسين السرعة بممرات أولوية، لأن حافلة أسرع تنفذ دورات أكثر بنفس السائق والمركبة.
أما العمال، فحمايتهم كانت سبباً عاجلاً للشراء، لا تفصيلاً. استمرار 4800 وظيفة والمعاشات خلال الانتقال يمنع صدمة تشغيلية. لكن الامتيازات اللاحقة قد تنقل موظفين بين متعاقدين وتخلق تفاوتاً في الشروط. تحتاج السلطة إلى معايير للأجور والتدريب ونقل الحقوق، وإلا ستظهر وفورات العقد على حساب السائقين والصيانة. نقص السائقين في بريطانيا يجعل جودة الوظيفة جزءاً من موثوقية الخدمة.
يمكن للملكية العامة الانتقالية أن تمنح السلطة معرفة دقيقة بالكلفة والحركة قبل طرح العقود، وهي ميزة تفاوضية كبيرة. لكنها قد تتحول إلى عبء إذا طال الانتقال أو استُخدمت الشركة لتأجيل قرارات صعبة. إعلان أن ويست ميدلاندز باص ليمتد لن تنافس على الامتيازات يحافظ على حياد السوق، لكنه يعني أيضاً أن المنطقة ستفقد ذراع تشغيل عامة بعد أن استثمرت في استقرارها. سيكون من المشروع لاحقاً سؤال ما إذا كان استبعادها أفضل قيمة للمال أم اختياراً لتطمين القطاع الخاص.
الخلاصة أن ويست ميدلاندز لا تلغي الخصخصة بضربة واحدة. هي تنهي حق المشغل الخاص في تصميم معظم الشبكة على أساس تجاري، وتشتريه مؤقتاً كي لا ينهار الانتقال، ثم تعيد الشركات الخاصة بصفة مقاولين يعملون تحت خطة عامة. هذا تراجع واضح عن نموذج 1986، لكنه ليس عودة كاملة إلى شركة بلدية قديمة. وإذا أثبتت المنطقة أن السلطة العامة تستطيع حماية الخطوط ودمج التذاكر وتحسين الانتظام من دون تضخم العجز، ستتبعها مناطق أخرى. أما إذا بقيت الخدمات كما هي وارتفعت الكلفة، فستصبح الصفقة حجة لخصومها. مستقبل النموذج البريطاني لن تحسمه كلمة التأميم، بل أداء أول حافلة في صباح شتوي بعد بدء الامتياز.
اقرأ أيضاً: الحافلات أولاً: كسر احتكار نموذج لندن لإصلاح النقل الجماعي!
قد يعجبك ايضاً
الهالوين واليقطين في لندن 2026.. فعاليات عائلية تبدأ من 7.50 جنيه إسترليني
204 آلاف شخص يتحدثون العربية.. متى يمكنك الحصول على خدمة مجانية بلغتك؟
تدقيق الحسابات المصرفية لمستفيدي الإعانات.. ما الذي ستراجعه الحكومة؟
دعم حكومي لمشتري المنازل لأول مرة في بريطانيا!
مركز إكستر للتدريب والتوظيف.. كيف تواجه بريطانيا بطالة الشباب؟
أسبوع الأزياء في الرياض 2026.. لماذا يهم العرب في بريطانيا؟
بعد 20 اعتقالاً في مسيرة لندن.. ما الذي تغيّر في قواعد التظاهر البريطانية؟
لاجئة صومالية تهزم زعيم الخضر.. من هي ساغال عبدي والي؟
بريطانيا تسحب لجوء جرّاح سوري.. هل يفتح القرار الباب أمام ترحيل آلاف السوريين؟
