في ليالٍ طويلة لا يهدأ فيها هاتف ولا يصل فيها رد، يشتعل سؤال قديم: لماذا نُصرّ على الشعور بمن لا يبادلنا؟ يبدو الأمر كأننا نمشي على خيطٍ مشدود بين العقل والهاوية، ومع ذلك لا نسقط؛ لأن في القلب قوة لا تطيع الحسابات. هنا يبدأ التقرير: من تلك اللحظة التي نظن فيها أن النجاة هي النسيان، بينما تكون النجاة الحقيقية في فهم ما الذي يجعل الحب من طرف واحد قابلاً -أحياناً- للسمو. هذا ما تقوله مجلّة “علم النفس” الشهيرة، وهذا ما سنشدد عليه هنا
الحب من طرف واحد ليس خللاً
تُشير أطروحات فلسفية حديثة إلى أن الحب، وخاصة حين لا تتم مبادلته بذاته، ليس مشروعاً عقلياً يمكن “إلغاؤه” بالحجج؛ إنه عاطفة «لاعقلانية» بالمعنى الدقيق: لا تبدأ لأسباب واضحة ولا تنتهي حين نقرر ذلك. من هنا نفهم لماذا تفشل وصفات “انسَهْ وسترتاح”: لأن الرغبة في التوقف لا تُوقف قلباً انعقد. اللاعقلانية هنا ليست عيباً، بل خاصية لما هي عليه المحبة؛ ولهذا يصبح الرجاء في محوها سريعاً مصدر ألم مضاعف. وتذهب مقاربة فلسفية مُعاصرة إلى أبعد من ذلك فتقترح أن هذا العشق اللامردود يكشف فينا قدرة نادرة على اختبار “السامي” – ذلك الشعور الذي تحدّث عنه كانط عندما نلمس ما يتجاوز طاقة الفهم والحسّ، فنرتبك ونسمو في آنٍ معاً.
من المرارة إلى العلو: اعتناق التجربة بدل مطاردتها
إذا كانت المحبة من طرف واحد لا تنطفئ بأمرٍ منطقي، فربما الخروج من المرارة يبدأ بتغيير الموقف منها: لا ترفض شعورك ولا تُجرّمه، بل اعترف به واسمح له أن يكون جزءاً منك دون أن يبتلعك.
هذا “الاعتناق” لا يعني الاستسلام ولا تعليق الحياة، بل فكّ الازدواجية المؤذية بين ما نحسّ به وما نأذن لأنفسنا أن نكونه. تشير القراءة نفسها إلى أن تبنّي موقفٍ تصالحي مع شعورك يخفف الاغتراب الداخلي، ويحوّل الألم إلى خبرة مُشكِّلة للذات، لأنك لا تعود في حربٍ مع قلبك. عندها يغدو الحب من طرف واحد – على قسوته – نافذة على سعة إنسانيتك، لا قيداً على حركتك.
أخلاق المسافة وحدود الذات: السمو ليس ذريعة للتعلق المؤذي
هذا السمو لا يبرّر انتهاك الحدود. ليست الحكاية عن ملاحقة أو ضغط أو علاقة مسيئة يجري فيها حجب المودة للتلاعب، بل عن شعورٍ فردي نتعامل معه بمسؤولية. إن احترام مسافة الآخر شرطٌ ليبقى الحب من طرف واحد طاقة بناء لا أداة إضرار.
نحن نُهذّب حضورنا: نُقلّل من المثيرات التي تعمّق التعلّق القهري، ونحتمي بعادات رتيبة تُعيدنا لأرضٍ ثابتة – رياضة صباحية، تعلم جديد، صداقة تلمّ شتات يومنا. وحين نوجّه الفائض العاطفي نحو عملٍ فني، أو خدمةٍ عامة، أو تحسينٍ حقيقي في حياتنا، نكتشف أن ما كان يُوجِع صار وقوداً لشيءٍ يتجاوزنا.
تحويل الألم إلى سردية معنى
في الرواية الكلاسيكية كما في الحياة اليومية، يظهر المحبّ غير المُبادَل بوصفه شاهداً على قدرة بشرية خارقة: أن نحبّ دون ضمان، وأن نفعل الخير دون تعاقد. ولسنا مطالبين بتضحياتٍ مأسوية حتى نبلغ هذا المعنى؛ يكفي أن نعيد كتابة قصتنا بطريقة تحفظ الكرامة: رسالة لا تُرسل تُحرَّر من أجل النفس، طقس وداع صغير نؤديه لأنفسنا، اعتراف شجاع بأن القلوب تعمل بقوانين أوسع من خططنا. عند هذه العتبة يفقد السؤال “لماذا لا يبادلني؟” مركزيته، ويحلّ محله سؤالٌ يُنقذنا: ماذا تعلّمتُ عن نفسي، وكيف سأجعل هذا التعلّم يغذّي اختياراتٍ أرحب؟ حينها يصبح الحب من طرف واحد مرحلةً من رحلةٍ أطول، لا نفقاً بلا مخرج.
ما الذي يبقى؟
يبقى أن نفهم أن العاطفة التي لم تُسترد لم تذهب هباءً. كشفت لنا حدود العقل وحدود القدرة، وذكّرتنا بأن الشخص الذي نحتاج إلى محبته واستعادته أولاً هو أنفسنا.
لا نُنكر وجع الخيبة، لكننا نرفض أن يُعرّفنا. نمنح الشعور مقعداً، لا مقوداً. وبينما يواصل العالم دورانه، نكتشف أن السمو ليس حدثاً خارجياً يقع لنا، بل مهارة داخلية لصياغة المعنى من مادة الألم. وهكذا نخرج أهدأ وأقوى، مستعدين لحبٍّ جديد – متبادَل هذه المرة – من دون أن نخون ما تعلمناه من الحب من طرف واحد.
اقرأ أيضاً: خدعة الحب.. فتيات يقعن ضحية الاتجار بالبشر