العديد من الأشخاص يخشون الإصابة بمرض الخرف مع تقدم العمر، لذلك يبحثون عن سبل وقاية مبكرة تحصّنهم منه، ووفقاً لأحدث الدراسات فإن عادةً يوميةً واحدةً مجانيةً وغير مؤلمة يمكن أن تقيك بنسبة 40%، فما الحقيقة؟
الجدير بالذكر أن الخرف في بريطانيا اعتُبِر السبب الرئيسي للوفاة خلال عام 2024، علماً أنه لا ينحصر بفئة كبار السنّ الذين يتجاوز عمرهم 65 عاماً، فهو يمكن أن يصيب الأصغر سناً أيضاً، ولكن الأبحاث والبيانات المتعلقة بأعداد الأشخاص المصابين بهذا المرض في المملكة المتحدة نادرة جداً.
بالتالي تُعدُّ أي دراسة ترتبط بهذا المرض شديدة الأهمية للكثير من البريطانيين، لا سيما تلك المتمحورة حول الوقاية والعلاج، وفي هذا السياق نتحدث في مقالنا عن معدل الإصابة بالخرف في بريطانيا ومخاطره، مع تسليط الضوء على أحدث نتائج الدراسات حول عادة يومية يمكن أن تفتح باباً جديداً لدرء الخطر قبل وقوعه.
الخرف في بريطانيا عدوٌّ قاتل
يرتفع عدد الوفيات بمرض الخرف في بريطانيا عاماً بعد عامٍ، وقد أظهرت الإحصاءات السنوية لعام 2024 إصابة نحو مليون شخص (982 ألف مُصاب) ولكن هناك آلاف الحالات لم تُكتشف بعد، فأكثر من ثلث المصابين لا يحصلون على تشخيص رسمي.
كما كشفتِ الإحصاءات أن الخرف كان السبب الرئيسي للوفيات في إنجلترا وويلز واسكتلندا وأيرلندا الشمالية خلال 2024، فقد توفي نحو 76894 بريطانياً بسببه، ومن المتوقع أن يرتفع عدد الإصابات إلى نحو 1.4 مليون شخص بعام 2040.
عالمياً، يُعدُّ الخرف سابع سبب رئيسي للوفاة، وهو عبارة عن مجموعة من الأعراض المؤثرة في القدرات الاجتماعية والتذكر وملكة التفكير، وهو من أبرز أسباب الإعاقة والحاجة إلى الغير لأداء أبسط الوظائف اليومية، ويُعتبر الزهايمر أكثر أنواعه شيوعاً.
التكلفة الاقتصادية
تُقدّر التكلفة الاقتصادية لمرض الخرف في بريطانيا بنحو 42 مليار جنيه إسترليني، وفقاً لإحصاءات عام 2024، فيما يُتوقع أن تتجاوز هذه التكلفة عتبة الـ 90 مليار جنيه إسترليني بعام 2040، إزاء الارتفاع المطرد بأعداد المصابين وتكاليف الرعاية الصحية.
أهمية التشخيص المبكر
هذه الأرقام المُقلقة تزيد من تركيز الباحثين والأطباء على استراتيجيات الوقاية أكثر من علاج الأعراض بعد ظهورها، فحتى الآن لا يوجد علاج يشفي من الخرف بشكل تام، بالتالي تشخيص المرض بشكل مبكر والسيطرة على عوامل الخطر قبل الإصابة به، يُسهمان في درء مخاطر الإصابة بشكل كبير.
وفي ظلّ البحث المتزايد عن عوامل الوقاية من الخرف، تظهر دراسة جديدة تربط بين التعرّض اليومي لأشعة الشمس والوقاية من الخرف، علماً أن الأطباء يوصون بتبني عدة عادات صحية بعمر مبكر تتعلق بالنوم المنتظم والأكل الصحي والابتعاد عن التدخين والعزلة الاجتماعية وغيرها.
فهل تفتح الدراسة الباب أمام وسيلة وقائية جديدة لا تقلّ أهميةً عن سابقها؟
دراسة صينية تربط ضوء النهار بالخرف
وفقاً لدراسة حديثة أجراها باحثون في جامعات صينية، ونُشرت في مجلة الطب النفسي العام (General Psychiatry)، بعنوان “الارتباط بين التعرض للضوء خلال النهار والليل المقاس بواسطة الأجهزة القابلة للارتداء وخطر الإصابة بالخرف: دراسة أترابية مستقبلية” (Associations between wearable-device-measured daytime and nighttime light exposures and dementia risk: A prospective cohort study) فإن زيادة التعرض لضوء النهار يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف، ولكن هذه العلاقة لا تزال ارتباطيةً ولا تكفي وحدها لإثبات وجود علاقة سببية، وهذا ما يستدعي وجود المزيد من الأبحاث لتأكيد النتائج.
وفي التفاصيل، اعتمد الباحثون على تحليل بيانات نحو 87,600 شخص بالغ بمتوسط عمر 62 عاماً، وتمّت متابعة حالة المشاركين ما يقارب 8 سنوات، وخلال هذه الفترة شُخّص حوالي 741 شخصاً بالخرف.
وخلُصتِ الدراسة إلى أن الأشخاص الذين تعرضوا لمستويات أعلى من ضوء النهار كانوا أقل عرضة للإصابة بالخرف مقارنة بمن بقوا في أماكن داخلية وتعرضوا لإضاءة خافتة، من هذا المنطلق توصلوا إلى حقيقة وجود ارتباط بين التعرض لمستويات معينة من ضوء النهار وانخفاض الخطر بنسب مختلفة.
وبحسب بيانات الدراسة، فإن الأشخاص الذين تعرضوا للضوء الطبيعي أكثر خلال ساعات النهار، انخفض لديهم خطر الإصابة بالخرف بنسبة تتراوح بين 30% و38%، رغم تعرضهم لإضاءة ليلية مرتفعة.
كما أظهرت الدراسة أنه حتى الأشخاص الذين يسهرون كثيراً، من الممكن أن يحصلوا على نتائج إيجابية ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بهذا المرض بنسبة تصل إلى 40%، وذلك في حال حصولهم على قدر أكبر من ضوء النهار.
علاوة على ذلك، تشمل نتائج الدراسة الأشخاص الذين لديهم عوامل وراثية مرتبطة بالزهايمر، حيث يسجلون انخفاضاً ملحوظاً بخطر الإصابة بنسبة تتراوح بين 19% و27%، في حال تعرضهم لمستويات أعلى من ضوء النهار.
أهمية أشعة الشمس
أما عن الأسباب الكامنة وراء تأكيد علاقة الترابط بين ضوء النهار الطبيعي وانخفاض خطر الإصابة بالخرف، فيتحدث العلماء عن احتمال دعم الضوء الطبيعي لصحة الدماغ، من خلال تحسين الساعة البيولوجية للجسم وتعزيز جودة النوم.
بالتالي، يمكن القول إن جودة النوم لها دور بالغ الأهمية في الوقاية من مرض الخرف، إلى جانب الأدلة الأولية التي تشير إلى أن الضوء الطبيعي يمكن أن يساعد في إبطاء عملية فقدان حجم الدماغ المرتبط بالخرف.
إذاً، يُعدُّ مرض الخرف في بريطانيا أحد أبرز التحديات الصحية، في ظل تزايد عدد المصابين وارتفاع تكاليف الرعاية، فيما تواصل الجهات الصحية والدراسات أبحاثها للحدّ منه، فهل يمكن للأدلة المستقبلية أن تثبت دوراً أكثر وضوحاً لضوء النهار الطبيعي في دعم صحة الدماغ وتقليل خطر الإصابة بهذا المرض؟
اقرأ أيضاً: بريطانيا.. عقار طبي جديد سيمثل نقطة تحول في مكافحة الخرف!