لم يعد الحصول على الدعم النفسي اليوم مقتصراً على اللجوء إلى صديق مقرب أو شريك حياة أو حتى معالج نفسي بشري. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته جزءاً حاضراً في مجال الصحة النفسية، حيث يلجأ إليه كثير من الأشخاص لمساعدتهم على التعامل مع الضغوط اليومية والمشكلات النفسية المختلفة.
وفي هذا السياق، أظهرت دراسة حديثة أجرتها جامعة ساسكس أن العلاج المعتمد على الذكاء الاصطناعي يكون أكثر فاعلية عندما يشعر المستخدم بارتباط عاطفي مع روبوت الدردشة الذي يتفاعل معه. وتأتي هذه النتائج في وقت يستخدم فيه أكثر من ثلث سكان المملكة المتحدة الذكاء الاصطناعي لدعم صحتهم النفسية أو تحسين رفاهيتهم، بحسب منظمة الصحة العقلية في المملكة المتحدة.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة «العلوم الاجتماعية والطب»، استندت إلى آراء وتجارب نحو 4000 مستخدم لتطبيق Wysa المتخصص في الصحة النفسية. وأشارت النتائج إلى أن نجاح التجربة العلاجية يرتبط بدرجة القرب العاطفي التي يطورها المستخدم مع التطبيق، حيث إن هذا الشعور يعزز الانفتاح والتعبير الصادق عن المشاعر.
وأشارت الدراسة أن كثيراً من المستخدمين ينظرون إلى التطبيق على أنه صديق أو رفيق أو معالج، وأحياناً كشريك، وهو ما يسهم في شعورهم بالأمان وغياب الأحكام المسبقة. ومع تكرار هذا التفاعل، تتكون لدى المستخدم مشاعر الامتنان والراحة النفسية، وقد ينعكس ذلك إيجابياً على طريقة تفكيره ومستوى رفاهيته، مثل زيادة الثقة بالنفس وارتفاع مستويات الطاقة.
وفي تعليقه على نتائج البحث، أكد رامكانت فيمباتي Ramakant Vimpati، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Wysa، أن فهم الطريقة التي يتفاعل بها الناس مع الذكاء الاصطناعي يساعد على تقديم دعم نفسي آمن وفعال. وأوضح أن هذه التقنيات لا تهدف إلى استبدال المختصين البشر، بل إلى تعزيز أنظمة الدعم القائمة والعمل جنباً إلى جنب معها.
وأشار فيمباتي إلى أن أدوات Wysa تخضع لضوابط واضحة وإجراءات حماية دقيقة، مشيراً إلى أن التطبيق سجل نحو 420 ألف عملية تنزيل في المملكة المتحدة. كما أكد أن المحادثات داخل التطبيق تتم وفق بروتوكولات طبية معتمدة وقائمة على أدلة علمية، وباستخدام تدخلات صممها مختصون فقط، بهدف حماية المستخدمين وضمان سلامة بياناتهم.
كما أوضح أن أنظمة رصد المخاطر في التطبيق طورت بالتعاون مع مختصين معتمدين من الجمعية البريطانية للإرشاد والعلاج النفسي (BACP)، وتعمل على اكتشاف لغة الأزمات وتوجيه المستخدمين إلى الدعم العاجل عند الحاجة.
تشكيل إلفة اصطناعية وغياب العلاج الحقيقي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي
ورغم هذه الإيجابيات، حذر الباحثون من بعض المخاطر المحتملة المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة النفسية مثل “الإلفة الاصطناعية”. وتشير الدراسة إلى أن التفاعل المستمر مع روبوتات الدردشة قد يدخل المستخدم في حلقة مفرغة.
تبدأ هذه الحلقة عندما يشارك المستخدم معلومات شخصية ويتلقى ردود عاطفية داعمة، مما يعزز شعوره بالأمان والانتماء. ومع تكرار هذا النمط، قد تستمر الأفكار والمشاعر نفسها دون أن يتم تحديها أو تصحيحها، خاصة في حال استخدام أدوات ذكاء اصطناعي عامة غير متخصصة للصحة النفسية.
وفي هذا الإطار، شدد الدكتور رونيو شي Ronio Shi، الأستاذ المساعد في جامعة ساسكس، على ضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل واعي، وأوضح أن هناك حالات تستدعي تحويل المستخدم إلى مختصين بشريين. وأشار إلى أن غياب هذا التدخل قد يؤدي إلى ترسيخ تصورات خطيرة بدلاً من معالجتها.
كما أوضح الباحثون أن استمرار هذه الأمر قد يؤدي إلى نشوء علاقة حميمة مع التطبيق مع مرور الوقت، وتسند إليه أدوار شبيهة بالأدوار الإنسانية. وفي هذا السياق، قالت البروفيسورة ديميترا بيتراكاكي imitra Petrakaki من جامعة ساسكس إن “الألفة المصطنعة أصبحت حقيقة من حقائق الحياة الحديثة”، وأكدت على ضرورة أن يعترف صانعو السياسات ومطورو التطبيقات بهذا الواقع، وأن يعملوا على وضع آليات واضحة للتدخل عندما تظهر مؤشرات على حاجة المستخدم إلى دعم حقيقي.
وأشار الباحثون كذلك إلى أن روبوتات الدردشة باتت تملأ الفراغ الناتج عن الضغط الكبير ونقص الموارد في خدمات الصحة النفسية التقليدية، وهو ما يزيد من أهمية تنظيم استخدامها بشكل مسؤول.
ومن زاوية أخرى، قدم حامد حدادي، أستاذ الأنظمة التي تركز على الإنسان في إمبريال كوليدج Imperial College لندن، رأي ناقد لهذا النوع من الدعم، حيث شبه روبوتات الدردشة بمعالج قليل الخبرة. وأوضح أن المعالج البشري يعتمد على إشارات متعددة لفهم حالة المريض، مثل نبرة الصوت ولغة الجسد والسياق العام، بينما يقتصر فهم الذكاء الاصطناعي على النص المكتوب فقط.
وأضاف حدادي أن هناك خطر ثاني يتمثل في تدريب بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي على إبقاء المستخدم منخرط بالتطبيق الذي يدعمه باستمرار، ما قد يجعله يتفاعل بإيجابية حتى مع المحتوى الضار، بدلاً من مواجهته أو تصحيحه، وهو ما يستدعي المزيد من الحذر والتنظيم.
باختصار، ربما تكون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مفيدة في كثير من جوانب الحياة. إلا أن استخدامها فيما يتعلق بالصحة النفسية والعقلية تحتاج إلى وعي كبير من قبل المستخدم، حتى لا يجد نفسه أمام مشكلة أخرى.
اقرأ أيضاً: كيف يقود الذكاء الاصطناعي طريق إنجلترا الكروي نحو كأس العالم ؟