الزواج في المملكة المتحدة قد يتعدى الحدود العاطفية وتوافق الطباع والعقلية، حيث يحمل أحياناً تبعات مالية مرتبطة بقواعد استحقاقات وزارة العمل والمعاشات التقاعدية البريطانية (Department for Work and Pensions – DWP)، مما يثير جدلاً مستمراً حول تأثير هذه القواعد على الاستقرار الأسري، فهي تُعرف بمصطلح “عقوبة الزواج” في نظام الإعانات الحكومية.
ووفقاً لدراسة حديثة، قد يكلف الزواج في بريطانيا خسارة آلاف الجنيهات الإسترلينية سنوياً، فهو يفرض إعادة احتساب الإعانات الاجتماعية على أساس دخل الأسرة بالمجمل، وهذا ما يؤثر بشكل واضح على القرارات الأسرية لبعض الآباء.
عقوبة الزواج في بريطانيا!
أظهرت دراسة حديثة صادرة عن مركز العدالة الاجتماعية (Centre for Social Justice – CSJ)، أن هناك احتمال كبير أن تخسر الأمهات العازبات نحو 10000 جنيه إسترليني عند الانتقال للعيش مع الشريك أو الزواج.
بالتالي، تُصبح الأمهات العازبات اللاتي يتزوجن أقل دخلاً، وذلك وفقاً لقواعد وزارة العمل والمعاشات التقاعدية، حيث يُعاد احتساب استحقاقاتهم من بعض الإعانات مثل إعانة “يونيفرسال كريديت” (Universal Credit)، بناءً على دخل الأسرة المشترك.
تبعات مالية للزواج
لتوضيح التبعات المالية التي يمكن أن يسببها الزواج في بريطانيا، طرح مركز العدالة الاجتماعية عدة فرضيات، أبرزها تسليط الضوء على حالة أم عازبة بعمر الثلاثين عاماً، وعاطلة عن العمل لرعاية طفلها البالغ سنة واحدة.
حيث أوضح أنه في حال انتقالها للعيش مع شريكها الذي يتقاضى 20 ألف جنيه إسترليني سنوياً، سيُصبح دخلها أقل بمقدار 5,700 جنيه إسترليني سنوياً، أما إذا كان دخل شريكها 30 ألف جنيه إسترليني سنوياً، فقد تصل خسارتها إلى 9,600 جنيه إسترليني.
هذه الخسارة تنبع من جوهر الاستحقاقات التي تمنحها معظم الإعانات الحكومية في بريطانيا، حيث يتم احتسابها بناءً على دخل الأسرة بالمجمل، وليس دخل كل فرد، وهذا ما يؤدي إلى تغيّر ملموس في الوضع المالي للأسر بعد الزواج أو الانتقال للعيش المشترك، وقد يؤثر بشكل على القرارات المعيشية للأفراد.
تجدر الإشارة إلى أن الأم العازبة، تؤهل للحصول على ما يُعرف بالبدلةالأساسي، وذلك ضمن إعانة “يونيفرسال كريديت”، إلى جانب المخصصات الأخرى للطفل والدعم بتكاليف المسكن.
وفقا للإحصائيات الرسمية للفترة الممتدة من 2014 وحتى 2025، يوجد في بريطانيا حوالي 2.4 مليون أسرة منفصلة، وهي تضم نحو 3.9 مليون طفل، بالتالي أي تغيير في الدخل أو الاستحقاقات الاجتماعية يعني أن شريحةً واسعةً من الأطفال والأسر قد تتأثر بشكل مباشر.
هل النظام يثبط محاولات الاستقرار الأسري؟
يرى خبراء بالشؤون الأسرية أن هذا النظام يمكن أن يولد المزيد من التفكك الأسري، وهو ما قد يعزز الشعور بعدم الاستقرار لا سيما بالنسبة للأطفال، فهذه الفئة بالتحديد تحتاج إلى وجود كلا الأبوين معاً في علاقة زوجية رسمية، تتيح لهم الشعور بدوام الاستقرار العائلي والأمان المالي.
وفي هذا السياق، يوضح معدّ التقرير الباحث هاري بنسون (Dr Harry Benson)، أن هذا النوع من أنظمة الإعانات يمكن أن يثبط الجهود الرامية إلى الحد من الفقر وتحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
ويشير الباحث إلى ضرورة إدراك صانعي القرار أن الزواج في بريطانيا، يرتبط بشكل مباشر بانخفاض حالات الانفصال بين الشريكين، وذلك وفقاً لنتائج دراسة الألفية الجماعية (Millennium Cohort Study).
فقد بيّن الخبير بنسون أنه من بين الأزواج الذين يعيشون في أفقر 20% من المجتمع البريطاني، والذين تزوجوا رسمياً وأنجبوا أطفالاً، حوالي 26% منهم انفصلوا خلال أول 14 سنة من حياتهم كأهل.
بالمقابل، أظهرت البيانات أن 46% من الأشخاص غير المتزوجين الذين يعيشون ضمن أغنى 20% من الأسر، قد انفصلوا خلال الفترة ذاتها.
المستفيدون من إعانة Universal Credit
تؤكد البيانات الرسمية ارتفاع عدد المستفيدين من إعانة الائتمان الشامل إلى نحو 8.4 مليون شخص حتى يناير 2026، مسجلةً زيادة 7.4 مليون شخص عن الفترة ذاتها من عام 2025.
وتشير البيانات إلى استمرار ارتفاع نسبة المستفيدين من نظام “يونيفرسال كريديت” (الائتمان الشامل)، الذين لا يُطلب منهم البحث عن عمل، لتصل إلى نحو 50%.
بناءً على ماسبق، يبدو أن نظام الإعانة الاجتماعية في المملكة المتحدة تحوطه عدة علامات استفهام، حول مدى تحقيقه للعدالة الاجتماعية وتشجيع الاستقرار الأسري، وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً أمام صناع القرار: هل يحتاج نظام الإعانات إلى إعادة توازن بين العدالة المالية وتشجيع الاستقرار الأسري، أم أن كلفة الزواج في بريطانيا ستبقى جزءاً من المعادلة الاجتماعية المعقدة؟
اقرأ أيضاً: ماهو بدل الزواج في بريطانيا وكيف يمكنك المطالبة بالإعفاء الضريبي؟