تحول لافت تعيشه المملكة المتحدة في إطار مكافحتها للتدخين. فبحسب الإحصائيات الأخيرة تجاوز عدد المدخنين للسجائر الإلكترونية عدد المدخنين التقليديين. وسط تخوفات من إدمانها من قبل أشخاص لم يدخنوا من قبل.
فبحسب مكتب الإحصاءات الوطنية في المملكة المتحدة، بلغ عدد الأشخاص الذين يزيد عمرهم عن 16 عاماً ويستخدمون السجائر الإلكترونية بشكل يومي أو في بعض الأحيان 5.4 مليون شخص، متجاوزين بذلك عدد المدخنين التقليديين الذين بلغ عددهم 4.9 مليون شخص. ويشكل هذا تحولاً لافتاً في أنماط التدخين، إذ أصبح استخدام السجائر الإلكترونية أكثر شيوعاً بين البالغين لأول مرة بالمقارنة مع تدخين التبغ. كما يشير هذا التغيير إلى تحول واضح في السلوكيات المتعلقة باستخدام النيكوتين، مما يستوجب تسليط الضوء على الفارق الكبير بين سلوكيات التدخين التقليدي والسجائر الإلكترونية في السنوات الأخيرة.
انخفاض معدلات التدخين بين الشباب
لكن اللافت أكثر هو البيانات الصادرة عن فئة الشباب، والتي تشير إلى انخفاض معدلات التدخين بينهم. ففي عام 2024، انخفضت نسبة الشباب الذين يدخنون من 25.7% في عام 2011 إلى 8.1% فقط. هذا يعني نجاح واضح لخطط المملكة المتحدة في محاربة عادة التدخين. والتي تركز بشكل كبير على توعية الشباب بأضرار التدخين وتشجيعهم على الإقلاع عنه. كما يعكس هذا الانخفاض مدى تأثير السياسات الحكومية مثل الزيادة في الضرائب على التبغ، وحظر الإعلان عن السجائر، والقيود المفروضة على بيع السجائر للشباب.
بحسب هازل تشيزمان Hazel Cheeseman الرئيسة التنفيذية لمؤسسة ASH الخيرية لمكافحة التدخين، فإن التحول نحو السجائر الإلكترونية يعد لحظة مهمة في مكافحة التدخين، حيث أصبح عدد أكبر من البالغين يستهلكون النيكوتين من خلالها مقارنة بالتدخين التقليدي. وتشير تشيزمان إلى أن هذا التحول قد أسهم في انخفاض معدلات التدخين التقليدي، وهو أمر يجب الترحيب به. إذ يبدو أن السجائر الإلكترونية تساهم في تقليل عدد المدخنين التقليديين، لا سيما بين الذين يسعون للإقلاع عن التدخين، حيث يمكن أن تكون بديلاً أقل ضرر من التدخين التقليدي.
لكن رغم هذه الفوائد المحتملة لا تزال هناك مخاوف بشأن استخدام السجائر الإلكترونية من قبل غير المدخنين والشباب. فقد أظهرت الدراسات أن بعض الأشخاص الذين لم يسبق لهم تدخين التبغ بدأوا في استخدام السجائر الإلكترونية، وهو ما يثير القلق بشأن إمكانية تحولهم إلى تدخين التبغ في المستقبل. لذلك يجب أن تكون هناك رقابة وتوجيه مستمرين على استخدام السجائر الإلكترونية لضمان عدم تعريض الفئات غير المدخنة لهذه المخاطر.
التغيرات في استخدام السجائر الإلكترونية بين الجنسين
شهدت السجائر الإلكترونية زيادة ملحوظة بين النساء في المملكة المتحدة، حيث ارتفعت النسبة من 8.5% في عام 2023 إلى 10% في عام 2024، فقد كان هناك انخفاض طفيف في نسبة الرجال الذين يستخدمونها. فقد تراجعت النسبة بين الرجال من 11% في عام 2023 إلى 10.1% في عام 2024. يمكن أن يكون لهذا التغير عدة أسباب، بما في ذلك الحملات التوعوية الموجهة بشكل خاص للرجال، أو التغيرات في تفضيلات السلوكيات الصحية بين الجنسين.
تستمر المملكة المتحدة في محاربة السجائر ذات النكهات الزاهية والمغرية التي قد تجذب الأطفال والشباب. ويبدو أن هذه الحملة الحكومية تحقق نجاحاً ملحوظاً في الحد من انتشار السجائر الإلكترونية بين هذه الفئات العمرية. فقد توقفت الزيادة في استخدام السجائر الإلكترونية بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً، حيث انخفضت النسبة من 15.8% في عام 2023 إلى 13% في عام 2024. يشير هذا إلى أن الإجراءات التي تم اتخاذها لمكافحة انتشارها بين الأطفال والشباب قد أظهرت نتائج إيجابية.
في الوقت نفسه أظهرت البيانات أن استخدام السجائر الإلكترونية بين الفئات العمرية الأكبر (مثل الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و49 عام) قد شهد زيادة كبيرة، حيث ارتفعت النسبة من 6.8% في عام 2023 إلى 9.5% في عام 2024. هذه الزيادة قد تعكس انتقال العديد من المدخنين التقليديين إلى السجائر الإلكترونية كبديل أقل ضرر. ويعتقد الخبراء أن هذا التحول قد يكون جزءاً من جهود الأشخاص للإقلاع عن التدخين، حيث توفر السجائر الإلكترونية بديلاً يساعدهم على تقليل الاعتماد على النيكوتين.
أدنى معدلات للتدخين في تاريخ المملكة المتحدة
وفي تحول تاريخي آخر بلغت معدلات التدخين في المملكة المتحدة أدنى مستوياتها على الإطلاق، حيث انخفضت إلى 10.6% بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً. وهذا يمثل انخفاض بنسبة 0.5 نقطة مئوية مقارنة بالعام الماضي. ويعتبر هذا الانخفاض نتيجة مباشرة للسياسات الحكومية المستمرة في مكافحة التدخين، بما في ذلك حملات التوعية والإجراءات الصارمة على شركات التبغ.
قال جون بريتون John Britton الأستاذ الفخري لعلم الأوبئة بجامعة نوتنغهام: “تؤكد هذه الأرقام صحة سياسة التبغ في المملكة المتحدة على مدى السنوات الـ 15 الماضية، حيث أدى التحول إلى التدخين الإلكتروني إلى انخفاضات غير مسبوقة في انتشار التدخين، خاصة بين الشباب. ستمنع هذه العملية ملايين الوفيات المبكرة في العقود القادمة”.
وعلى الرغم من النجاح الذي تحققه المملكة المتحدة في تقليل معدلات التدخين، لا تزال هناك تحديات كبيرة. فالتدخين يمثل السبب الرئيسي للوفاة التي يمكن الوقاية منها في المملكة المتحدة، حيث يسبب أكثر من 70,000 حالة وفاة سنوياً. عدا عن بقاء المدخنين الحاليين، الذين يبلغ عددهم نحو 5 ملايين شخص، عالقين في دائرة من الإدمان التي قد تؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة.
يبدو أن المملكة المتحدة تمشي على الطريق الصحيح في محاربة التدخين والسجائر الإلكترونية. وكانت نتائج الخطط التي وضعتها، والإحصائيات المقدمة خير دليل على ذلك. لذلك الاستمرار على نفس النهج وتطويره يمثل الحل الأمثل لمكافحة عادة التدخين.
اقرأ أيضاً: دعوات متصاعدة لمكافحة السجائر الإلكترونية والتدخين في بريطانيا