بريطانيا
السمك يقفز 11.1%: كيف غيّرت الطاقة والحرب سلة غذاء البريطانيين؟
نشر
منذ 4 أسابيعفي
455 مشاهدة
By
ahmed.ali
سجّل السمك في يونيو 2026 أكبر زيادة بين فئات الغذاء التي يتابعها مؤشر «ويتش؟» البريطاني، إذ ارتفع متوسط السعر نحو 11.1 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. بلغت الزيادة في سلة المؤشر كلها 2.6 في المئة، صعوداً من 2.4 في المئة في مايو. يضع هذا التفاوت سلعة مألوفة في غذاء البريطانيين تحت ضغط يزيد على أربعة أمثال الارتفاع العام الذي رصده المؤشر.
مصدر النسبة منظمة حقوق المستهلك «ويتش؟»، وليس المكتب الوطني للإحصاء البريطاني. يتابع المؤشر بين 23 ألفاً و28 ألف منتج، بحسب الفترة، لدى ثمانية من كبار متاجر التجزئة، ويقارن الأسعار خلال المدة نفسها من كل عام. نشرت التغطيات الصحفية قراءة 11.1 في المئة للسمك، بينما تعرض صفحة المؤشر حالياً 11.0 في المئة لقياس الشهر الواحد و11.2 في المئة لمتوسط ثلاثة أشهر. لذلك تُقرأ النسبة الواردة في العنوان كتقدير قريب لحركة الفئة، ولا تحمل دقة إحصائية تتجاوز عُشر النقطة.
تقدم البيانات الرسمية صورة أهدأ ومتأخرة شهراً. سجلت الأغذية والمشروبات غير الكحولية ارتفاعاً سنوياً قدره 2.2 في المئة في مايو، وفق المكتب الوطني للإحصاء، وأسهم السمك حينها في خفض طفيف للأسعار بين نيسان وأيار. كان مقرراً صدور قراءة يونيو الرسمية في 22 يوليو، بعد إعداد هذا التقرير. اختلاف السلة وفترة القياس والعروض المشمولة يفسر جزءاً من اختلاف الرقمين، ويمنع استخدام مؤشر المتاجر بديلاً عن التضخم الرسمي.
سلة غذاء البريطانيين بعد قفزة السمك
تعتمد «ويتش؟» متوسطاً مرجحاً بحصة كل متجر وحجم المبيعات في الفئة، وتشمل الخصومات العادية، لكنها تستبعد عروض شراء أكثر من قطعة والأسعار المقصورة على بطاقات الولاء. يرصد القياس سرعة تغير الأسعار، ولا يحدد أي متجر هو الأرخص، كما أنه لا يقيس الكميات التي اشترتها الأسر. هذه الحدود مهمة لأن ارتفاع متوسط فئة السمك قد ينتج من تغير أسعار المنتجات نفسها، أو من تبدل تشكيلة السلع المتاحة، ولا يكشف بمفرده كيف تصرف المستهلك عند الرف.
قراءة الشهر الواحد ارتفعت بعد أكثر من عام من التراجع المتصل في معدل المؤشر، لكن متوسط الأشهر الثلاثة المنتهية في حزيران انخفض إلى 2.8 في المئة، بعدما كان 3.1 في المئة حتى نهاية مايو. الضغط ظهر إذاً بصورة انتقائية في فئات محددة، ولم يتحول بعد إلى تسارع واسع تؤكده أكثر من مدة قياس. السمك كان الحالة الأوضح، وبقيت الزيادات التالية في الفئات الأخرى أدنى منه بفارق كبير.
تراجع معدل التضخم لا يعيد الأسعار إلى مستواها السابق. يقدّر مرصد مؤسسة الغذاء أن أسعار الطعام في بريطانيا كانت في يونيو أعلى بنحو 30.5 في المئة من أبريل 2022. لهذا تصل أي زيادة جديدة إلى ميزانية سبق أن فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية. قد تبدو نسبة 2.6 في المئة محدودة مقارنة بذروة أزمة الغلاء، لكنها تضاف إلى مستوى مرتفع صار أساساً للحساب.
تظهر حساسية المستهلك في بيانات «وورلد بانل» للأسابيع الأربعة المنتهية في 14 يونيو. ارتفعت قيمة مبيعات البقالة 2.4 في المئة، بينما انخفض الحجم المباع بعد احتساب التضخم، ووصلت حصة المبيعات الترويجية إلى 30.4 في المئة. تسمح هذه الأرقام بالقول إن البحث عن العرض أصبح جزءاً أكبر من قرار الشراء، لكنها لا تثبت أن الأسر استبدلت السمك تحديداً بلحوم أرخص أو بوجبات مصنعة. يحتاج هذا الاستنتاج إلى بيانات حجم المبيعات بحسب النوع والدخل، وهي غير موجودة في مؤشر الأسعار.
يبدأ تغير سلة غذاء البريطانيين غالباً بخفض الكمية. وقد تنتظر الأسرة عرضاً مناسباً قبل الشراء، أو تختار صنفاً أقل سعراً داخل الفئة نفسها. وإذا طال ارتفاع السمك، يزداد الحافز لنقل جزء من الإنفاق إلى مصادر بروتين أخرى. حجم هذا التحول واتجاهه لا يمكن حسمهما من بيانات يونيو، لكن الفارق الكبير بين السمك وبقية السلة يجعل حدوث تعديل في الشراء احتمالاً عملياً لدى الأسر الأشد حساسية للسعر.
الحصص والطاقة
تعتمد السوق البريطانية على الاستيراد لتأمين جانب كبير من الأنواع التي يفضلها المستهلك، وخصوصاً الأسماك البيضاء. بلغت قيمة واردات المأكولات البحرية 4.07 مليار جنيه إسترليني في 2025، بزيادة 6.1 في المئة، وفق بيانات «سيفيش» الأولية المستندة إلى الجمارك. ارتفع الحجم 1.3 في المئة فقط. اتساع الفارق بين القيمة والكمية يشير إلى أن ارتفاع السعر كان المحرك الأكبر للنمو في فاتورة الاستيراد.
ظهر الضغط قبل حرب الشرق الأوسط الحالية. سجل متوسط سعر استيراد الأسماك البيضاء زيادة 11.9 في المئة خلال النصف الأول من 2025، وبلغت الزيادة 12.7 في المئة لسمك القد و28.6 في المئة للحدوق. ربطت «سيفيش» الحركة بتراجع إمدادات المصيد البري من هذه الأنواع وبخفض الحصص، وهو ما ضيق الخيارات أمام المستوردين والمصنعين.
أصبح قيد الصيد أشد في 2026 بالنسبة إلى القد القادم من بحر بارنتس، وهو مصدر مهم للسوق الأوروبية. اتفقت النرويج وروسيا على حصة قدرها 285 ألف طن للقد في شمال شرقي القطب الشمالي، بانخفاض 16 في المئة عن 2025، لتصل إلى أدنى مستوى منذ 1991. لا تمتد الصورة نفسها إلى كل الأنواع، فقد ارتفعت حصة الحدوق في الاتفاق ذاته 18 في المئة إلى 153.3 ألف طن. قفزة متوسط فئة السمك لا يمكن تفسيرها بانكماش موحد في المصيد، لأن مسارات العرض تختلف من نوع إلى آخر.
غيرت حرب أوكرانيا كلفة التوريد قبل الأزمة الحالية. وفرضت لندن في يوليو 2022 رسماً إضافياً نسبته 35 في المئة على الواردات البحرية الروسية المباشرة، فتراجعت تلك التدفقات وتغيرت طرق التوريد. لا يشمل الرسم تلقائياً المنتجات الروسية التي خضعت لتحويل جوهري في دولة ثالثة، وفق قواعد المنشأ التي شرحتها «سيفيش». هذا الحد في نطاق الرسم يمنع تقدير أثره على كل ما يصل إلى السوق، لكنه يؤكد أن المستوردين يعملون منذ أربع سنوات داخل شبكة توريد أعقد وأكثر تعرضاً لتغير العملة والشحن.
اتساع الحرب في الشرق الأوسط منذ أواخر شباط 2026 دفع النفط ومشتقات الطاقة إلى الارتفاع، وانتقلت الصدمة أولاً إلى مدخلات الإنتاج البريطانية. سجلت أسعار ما تشتريه المصانع زيادة سنوية قدرها 8.7 في المئة في أيار، وهي الأعلى منذ شباط 2023، بينما ارتفعت أسعار البيع عند بوابة المصنع 4.0 في المئة. قفزت كلفة النفط الخام 71.8 في المئة، وارتفع مؤشر الواردات 10.1 في المئة، مدفوعاً أساساً بالنفط الخام القادم من خارج الاتحاد الأوروبي.
لا تنتقل هذه الزيادات إلى السمك دفعة واحدة. يحتاج قارب الصيد إلى الوقود، ثم تدخل الأسماك في عمليات تبريد أو تجميد وتجهيز تستهلك الكهرباء. ويضيف النقل المبرد ثم التخزين والعرض في المتجر كلفة أخرى. العقود طويلة الأجل والتحوط في شراء الطاقة يمكن أن يؤخرا ظهور جزء من الصدمة، بينما تمر الزيادة أسرع لدى شركة صغيرة تشتري الوقود والكهرباء بالسعر الجاري.
تمنع بيانات المنتجين نسبة قفزة 11.1 في المئة كلها إلى الطاقة أو الحرب. فقد انخفضت أسعار مدخلات الغذاء المستورد 2.1 في المئة بين نيسان وأيار، وبقيت مستقرة مقارنة بأيار 2025، رغم الارتفاع الحاد في النفط. الأثر كان متفاوتاً ومتأخراً، كما أن ضغط الحصص وأسعار الاستيراد سبق الصدمة الأخيرة. التفسير الأقرب هو تراكب قيد قديم على الإمدادات مع كلفة طاقة حديثة، ثم انتقال غير متساو عبر سلسلة التوريد.
من يدفع الكلفة؟
لا يضمن ارتفاع سعر السمك في المتجر زيادة دخل الصياد. قد يقبض سعراً أعلى عن الكيلو، لكنه يواجه وقوداً أغلى وحصة صيد أقل في بعض الأنواع، فتتحدد النتيجة بالكمية والهامش معاً. تواجه مصانع التجهيز ومخازن التبريد الضغط نفسه، وتكون متاجر السمك المستقلة ومطاعم الوجبات الصغيرة أقل قدرة عادة على توزيع الكلفة على عدد كبير من المنتجات. لا تنشر البيانات المتاحة هوامش كل حلقة، ولذلك يبقى تحديد الطرف الذي امتص الزيادة الأكبر مسألة مفتوحة.
يمتلك كبار تجار التجزئة مساحة أوسع للتفاوض مع الموردين وتوقيت تمرير السعر، وقد يستخدمون العروض لحماية حركة الزبائن. هذا لا يعني أن المؤشر يعكس سياسة واحدة لديهم. قالت «تيسكو» إنها لا تتعرف إلى حسابات «ويتش؟»، وإن المنهج التفصيلي لم يشارك معها، بينما قالت «سينسبريز» إن المنتجات التي أبرزتها التغطية لا تمثل التسوق الأسبوعي المعتاد. وهذه الاعتراضات لا تلغي الزيادة التي وجدها المؤشر في عينته، لكنها تجعل المقارنة بحاجة إلى نشر بيانات قابلة للتدقيق على مستوى المنتج والمتجر.
تصل الكلفة الاجتماعية بصورة أوضح إلى الأسرة منخفضة الدخل. أظهر مسح مؤسسة الغذاء في كانون الثاني 2026 أن 12 في المئة من الأسر البريطانية عانت انعدام الأمن الغذائي، وهو ما يعادل 6.3 ملايين بالغ. وتقدّر المؤسسة أن الأسرة التي لديها أطفال وتقع في أدنى خُمس من الدخول تحتاج إلى 85 في المئة من دخلها المتاح حتى تشتري غذاء يطابق دليل الأكل الصحي الحكومي. عند هذا المستوى، تدفع الزيادة في فئة واحدة الأسرة إلى المفاضلة داخل ميزانية ضيقة، ويصبح الحفاظ على التنوع الغذائي أصعب.
المستفيد المحتمل هو المتجر القادر على تثبيت السعر أو توفير بديل أرخص عندما ينتقل الزبون بحثاً عن صفقة. غير أن التخفيض قد يكون ممولاً من هامش المتجر، أو من المورد، أو موزعاً بينهما، ولا تسمح بيانات الأسعار بمعرفة ذلك. كما أن زيادة الاعتماد على المنتجات المجمدة أو المعلبة قد تخفف الكلفة على الأسرة، لكنها تغير نوع السمك الذي تشتريه ولا تعني بالضرورة تراجعاً في القيمة الغذائية. يتوقف الحكم على المنتج البديل وكميته، لا على شكله وحده.
تواجه الحكومة مسارين مختلفين. تخفيف ضغط الطاقة عن سلسلة الغذاء قد يحد من انتقال الصدمة إلى المتاجر، وهو ما طالب به الرئيس التنفيذي لـ«سينسبريز» سايمون روبرتس في أبريل. أما نقص الأسماك البرية فلا يعالج برفع المصيد فوق الحدود التي تضعها حالة المخزون. يحتاج هذا الجانب إلى إدارة حصص تحمي التجدد الطبيعي، مع تنويع مصادر الاستيراد وتحسين كفاءة التبريد والنقل. دعم الطاقة يعالج الكلفة التشغيلية، بينما تعالج إدارة الحصص وتنويع الاستيراد جانب الإمداد.
سيكون صدور بيانات التضخم الرسمية ليونيو أول اختبار للزيادة التي رصدتها «ويتش؟». وتبقى بيانات حجم المبيعات بحسب نوع السمك ومستوى الدخل ضرورية لمعرفة ما تغير فعلاً في سلة غذاء البريطانيين. المتاح حتى الآن يثبت قفزة حادة في مؤشر متاجر واحد، كما يبين أن سلسلة السمك دخلت 2026 وهي تعاني كلفة استيراد مرتفعة وحصة أضيق للقد، ثم واجهت صدمة طاقة جديدة. لا تثبت البيانات أن الحرب وحدها صنعت نسبة 11.1 في المئة، لكنها توضح لماذا ظهر أثرها سريعاً في فئة تعتمد على الصيد البعيد والتبريد والاستيراد.
تدل قفزة السمك على انتقال كلفة الطاقة إلى فئة تعاني قيوداً سابقة في العرض. أما الحكم بأن سلة الغذاء كلها دخلت موجة تضخم جديدة فيحتاج إلى أكثر من قراءة شهرية. ستبين أسعار الطاقة وكميات الاستيراد اتجاه الكلفة خلال الأشهر المقبلة، ثم يكشف حجم المبيعات مقدار ما غيرته الأسر في مشترياتها. وإذا استمرت الزيادة، ستتحمل الأسر الأقل دخلاً القدر الأكبر من التعديل لأن هامشها لتغيير المشتريات أضيق.
اقرأ أيضاً: أفضل مكان لتناول السمك والبطاطس في إنجلترا
بعد سقوط الكبار.. من يخطف لقب دوري البطولة الإنجليزية 2026/27؟
أوامر ترحيل لبريطانيين من السويد: هل تتآكل حقوق ما بعد «بريكست» بصمت؟
من أستاذ في كامبريدج إلى مأساة.. قصة جيسون أرداي كاملة
من موجات الحر إلى حرائق الغابات.. لماذا يتزايد الضغط على الحكومة البريطانية
كل ما تحتاج معرفته عن التسجيل والقبول في المدارس في بريطانيا
ملايين أُهدرت مع نجوم خذلوا التوقعات.. أسوأ 8 صفقات في تاريخ مانشستر يونايتد
حظر حفلات الشواء: إجراء وقائي أم تشتيت عن أزمة الحرائق؟
اتفاقية بين «IIG» و«Fronds» لتسويق مشروع سكني في أبها
الذكاء الاصطناعي لا يتحمل المسؤولية القانونية.. فمن يدفع ثمن أخطائه؟
