تعيش صناعة السيارات في بريطانيا مرحلة تحول مهمة، في وقت تتغير فيه قواعد المنافسة عالمياً بسرعة كبيرة. فبينما تسعى الشركات البريطانية لإنشاء مشاريع ضخمة تعتمد بشكل كامل على الإنتاج المحلي الخاص بالسيارات، تغزو شركات السيارات الصينية الأسواق بعد تفوقها بالمواصفات على جميع الأنواع الموجودة في السوق. وهذا ما يحتم طرح تساؤلات جادة حول مدى استمرار تفوق بريطانيا في الإنتاج ضمن سوقها المحلية، وما إذا كانت تخاف من المنافسة مع الصين.
يبرز مشروع مصنع بطاريات “أغراتاس” في مقاطعة سومرست Somerset كأحد أهم الاستثمارات الصناعية في المملكة المتحدة. فالموقع الضخم الذي يشبه ورشة بناء عملاقة تمتد على مساحة تعادل عشرات ملاعب كرة القدم، سيبدأ قريباً في إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية لصالح “جاكوار لاند روفر Jaguar Land Rover”. وقد اعتبر هذا الاستثمار الذي تقوده مجموعة “تاتا” الهندية بقيمة تقارب 5 مليارات جنيه إسترليني خطوة أساسية لدعم تحول بريطانيا نحو السيارات الكهربائية وضمان استمرار صناعتها المحلية.
لكن بينما تستعد بريطانيا لبناء مستقبلها الصناعي، كان السوق نفسه يشهد تغيراً لافتاً. فقد ظهرت سيارة “Jaecoo 7” الصينية بشكل مفاجئ لتتصدر مبيعات شهر مارس في المملكة المتحدة، متفوقة على أسماء أوروبية معروفة مثل فورد Ford وفولكس فاجن Volkswagen. بل حتى أصبحت العلامات الصينية تمثل نحو سيارة واحدة من كل سبع سيارات جديدة مباعة، بعدما كانت نسبتها قبل خمس سنوات لا تتجاوز 1.3%. وبالتالي عكست الإحصائية السابقة مدى توسع الشركات الصينية، وخصوصاً شركة “شيري” و”BYD” وغيرها في السوق البريطاني.
توسع صيني سريع ومنافسة متزايدة
لم يأتِ هذا النمو من فراغ، بل من استراتيجية واضحة تعتمد على تقديم سيارات بتجهيزات جيدة وأسعار أقل، مع التركيز على السيارات الكهربائية والهجينة. فمجموعة “شيري” مثلاً، عبر علاماتها مثل “أومودا” و”Jaecoo”، باعت عشرات الآلاف من السيارات في بريطانيا خلال فترة قصيرة، حتى تجاوزت في بعض الأرقام شركات أوروبية عريقة مثل “رينو”، ونافست علامات مثل “لاند روفر”. كذلك حققت شركة “BYD” مبيعات قياسية، بينما تستورد علامات عالمية مثل “فولفو” و”سمارت” و”تسلا” بعض طرازاتها من الصين.
ولم يقتصر الأمر على علامة واحدة، بل إن إجمالي مبيعات الشركات الصينية تضاعف تقريباً خلال عام واحد، بسبب الفرق الواضح في الأسعار. فبعض الأنواع الصينية، مثل “أومودا 5″، تبدأ بسعر يقارب 24 ألف جنيه إسترليني، بينما تتجاوز سيارات منافسة مثل “نيسان قاشقاي” حاجز 30 ألفاً. وحتى في خطط التقسيط الشهري، تقدم السيارات الصينية عروضاً أقل تكلفة مقارنة بنماذج أوروبية مثل “فولكس فاجن ID.4”.
وتزامن هذا التوسع السريع مع وجود شبكة قوية من الوكلاء في بريطانيا، مما جعل الوصول إلى هذه السيارات أسهل من السابق، وزاد من انتشارها بين المستهلكين.
بين دعم الحكومة ومخاوف الصناعة
تتفاوت وجهة نظر الحكومة البريطانية إلى هذا التحول. فقد أكد وزير الأعمال بيتر كايل Peter Kyle أنه لا يرى ضرورة للحد من الواردات الصينية، بل يركز على جذب الاستثمارات وخلق فرص عمل داخل البلاد. كما أشار إلى أن استقبال الشركات الصينية يمكن أن يشبه ما حدث مع الشركات اليابانية في التسعينيات، عندما أصبحت جزءاً من السوق البريطاني.
لكن هذا التوجه لا يتوافق مع رأي آخر يعارض دعم تواجد الشركات الصينية. فقد انتقد أندرو غريفيث Andrew Griffiths من المعارضة بعض السياسات الحكومية المتعلقة بالتحول السريع نحو السيارات الكهربائية، معتبراً أنها أضرت بصناعة السيارات المحلية. بينما وصف روبرت جينريك Robert Jenrick المنافسة الصينية بأنها غير عادلة، وداعياً إلى فرض رسوم جمركية لحماية الوظائف.
وعلى الرغم من الآراء المناهضة لفكرة المنافسة الصينية، يرى مايك هاوز Mike Howes من جمعية مصنعي وتجار السيارات (SMMT) أن السوق البريطاني يتميز بالانفتاح، وأن نجاح الشركات الصينية يعود أيضاً إلى قدرتها على تلبية رغبات المستهلكين، وليس فقط إلى الأسعار.
التكنولوجيا والأمن ومستقبل المنافسة
أشارت بعض المصادر إلى تساؤلات حول الجوانب التقنية والأمنية. فبما أن السيارات الحديثة تعتمد على الاتصال الدائم بالإنترنت، هناك مخاوف من إمكانية الوصول إلى بيانات القيادة أو حتى أنظمة السيارة. ورغم هذه التحفظات، تؤكد الشركات المصنعة أن جميع السيارات تخضع للقوانين البريطانية الخاصة بحماية البيانات.
كما تعمل بعض الشركات الصينية على تعزيز وجودها داخل بريطانيا عبر إنشاء مراكز هندسية لتطوير سيارات تناسب الطرق الأوروبية، وهي خطوة يرى خبراء مثل أندرو إنغليش Andrew English أنها قد تساعد في تحسين جودة القيادة وتقليل الفجوة مع الشركات التقليدية.
ومع ذلك، تبقى تحديات أخرى مثل توفر قطع الغيار وتكاليف التأمين، بالإضافة إلى التساؤل حول استدامة هذه الأسعار المنخفضة على المدى الطويل بعد انتهاء عروض التمويل.
في النهاية، يبدو أن سوق السيارات في بريطانيا يدخل مرحلة جديدة قائمة عل تحقيق التوازن بين المنافسة والعروض، وبالنظر ألى المستفيد الأكبر من هذا التحول، سنجد أن المستهلك يستطيع شراء سيارة صينية بأقساط مريحة وأسعار منافسة. وهذا ما يجعل شركات السيارات البريطانية في سباق مع الصينية لتوفير عروض مرضية للعملاء.
اقرأ أيضاً: إليك أكثر السيارات مبيعاً في بريطانيا خلال الشهر الأول من عام 2026