الاضطرابات الجيوسياسية، لا سيما الحرب الإيرانية الأمريكية التي سبقها النزاع الأوكراني الروسي، أدت إلى تسريع توجه العديد من الدول نحو تعزيز أمنها الطاقي، عبر تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والغاز المستورد، لضمان استقلالها في مجال الطاقة من جهة، وتقليل الانبعاثات الكربونية من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، تُعتبر الطاقة المتجددة في اسكتلندا، أساس نظامها الطاقي المستقبلي. وذلك وفقاً لرؤيتها، سعياً منها للحد من آثار تقلبات أسواق الطاقة الخارجية، ودعم النمو الاقتصادي والصناعي، مما يصبّ أيضاً في مصلحة تحقيق أهدافها المناخية.
فاسكتلندا تستهدف بحلول عام 2030 توليد نحو 50% من إجمالي استهلاك الطاقة من مصادر متجددة، على أن تصل بحلول عام 2045 إلى إزالة الكربون من نظامها الطاقي بالكامل تقريباً، وهذا ما يُترجم بخطواتها الاستراتيجية المرتبطة بمشاريع الرياح البحرية الكبرى.
وفي هذا الإطار، وافقت الحكومة الاسكتلندية على إنشاء مزرعتي رياح بحريتين ضخمتين في خليج موراي (Moray Firth)، ومن المتوقع أن تنتج ما يكفي لتزويد نحو مليوني منزل بالطاقة.
الطاقة المتجددة في اسكتلندا
تُعد الموافقة الرسمية على مشروعي طاقة الرياح البحرية، خطوةً استراتيجيةً نحو توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في اسكتلندا، لتعزيز أمنها الطاقي، في ظلّ اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، وتزايد الاهتمام بشؤون المناخ وتقليص حجم الانبعاثات الكربونية.
المشروعان هما مزرعتا الرياح البحريتان نورث كاليدونيا (North Caledonia) وساوث كاليدونيا (South Caledonia)، في خليج موراي، ويتضمنان نحو 140 توربيناً موزعة على مساحة تبلغ 429 كيلومتراً مربعاً، وفقاً للمعطيات الرسمية.
الشركة المطوّرة
شركة أوشن ويندز (Ocean Winds) هي المطوّر المسؤول عن مشروعي نورث كاليدونيا وساوث كاليدونيا، وتُعتبر من الشركات العالمية المتخصصة بتطوير مشاريع طاقة الرياح البحرية، لا سيما العائمة منها.
وقد أعلنت الشركة تخصيصها نحو 1.7 مليار جنيه إسترليني، لتنفيذ مشروعي مزرعتي الرياح البحريتين في اسكتلندا، وعلى الرغم من حصولها على جميع الموافقات والتراخيص البحرية الرسمية لتنفيذ المشروع، إلا أنه لا يزال أمامها مهمة الحصول على موافقة وزارية بخصوص خطط الحد من الآثار البيئية.
ومن المتوقع أن تبلغ القدرة الإنتاجية الإجمالية لمزرعتي نورث كاليدونيا وساوث كاليدونيا نحو 2 غيغاواط من الكهرباء، وهي تكفي لتزويد مليوني منزل بالكهرباء.
بالتالي يُعد هذا الرقم، دفعةً جيدةً لعجلة تحقيق الحياد الصفري للانبعاثات، الذي يُعتبر أحد أبرز أولويات الحكومة الاسكتلندية، إلى جانب دعم قطاع الطاقة المتجددة في اسكتلندا، وفقاً لما ذكره الوزير الأول جون سويني (John Swinney).
ما هي خطط الحد من الآثار البيئية؟
وفقاً للبيانات الرسمية، يستوجب مرافقة أي مشروع بخطة تعويض الطيور البحرية (Seabird Compensation Plan)، وهي عبارة عن إجراءات لتعويض أي تأثيرات سلبية مُحتملة على مجموعات الطيور البحرية المحمية، مثل دعم مشاريع حماية الطيور أو تحسين موائلها.
كما ينبغي مراقبة الحياة البحرية، وذلك من خلال متابعة تأثير التوربينات وكابلات الطاقة على الكائنات البحرية والأنظمة البيئية، لتفادي أي آثار سلبية مُحتملة للتطوير.
علاوة على ذلك، يجب اختيار إجراءات تعويض بيئي مناسبة، وذلك في حال تعذر تجنب بعض الأضرار، بحيث تُفرض تدابير تعويضية وفق ما يعرف بـ”تسلسل التعويض البيئي” (Compensation Hierarchy)، أي بشكل تدريجي.
لذلك، يُعد تقييم التدابير التعويضية ضرورياً لمعرفة مدى جدواها البيئية والعملية في اسكتلندا، وضمان فعاليتها وتحقيقها أقصى فائدة ممكنة للطيور البحرية.
ثاني مجموعة مشاريع “سكوت ويند”
مزرعتا نورث كاليدونيا وساوث كاليدونيا، تعدان ثاني مجموعة من مشاريع برنامج سكوت ويند (ScotWind)، تحصل على الموافقة البحرية الرسمية، بعد مشروع مزرعة رياح غرب أوركني (West of Orkney Windfarm)، الذي يُتوقع أن تصل قدرته الإنتاجية إلى نحو 2 غيغاواط أيضاً.
اسكتلندا من أفضل أسواق الطاقة
تجدر الإشارة إلى أن اسكتلندا تُصنّف اليوم ضمن أفضل عشرة أسواق عالمية لطاقة الرياح البحرية، فهي تمتلك مشاريع قيد التنفيذ تبلغ نحو 40 غيغاواط، منها أكثر من 23 غيغاواط من طاقة الرياح العائمة.
هذه المشاريع قيد التنفيذ، رسّخت مكانة اسكتلندا كواحدة من الأسواق العالمية الرائدة بمجال تطوير طاقة الرياح العائمة، لا سيما وأن قطاع طاقة الرياح البحرية يدعم نحو 16,500 وظيفة بدوام كامل، ويُسهم بحوالي 6.8 مليار جنيه إسترليني في الاقتصاد الاسكتلندي، بالتالي توسع الطموح نحو 40 غيغاواط سيرافقه تحسن أكبر بهذه الأرقام، خاصةً في حال نجحت هذه المشاريع بجذب شركات سلاسل التوريد العالمية إلى البلاد.
ولتحقيق ذلك، لا تزال الحكومة الاسكتلندية تقدم الدعم لهذا القطاع من خلال عدة إجراءات، أبرزها استثمار نحو 150 مليون جنيه إسترليني في البنية التحتية للتوريد والموانئ.
يبدو أن التوسع باعتماد الطاقة المتجددة في اسكتلندا يتزايد، لضمان الاستقلال والأمن الطاقي، وتحقيق الحياد الصفري للانبعاثات الكربونية، وذلك في الوقت الذي تسعى فيه إلى ترسيخ مكانتها، كواحدة من الأسواق الرائدة عالمياً في مجال طاقة الرياح البحرية، بالتزامن مع مواجهة التحديات المتعلقة بحماية البيئة البحرية وتطوير البنية التحتية اللازمة.
اقرأ أيضاً: احتجاجات في اسكتلندا على تركيب أجزاء من مزرعة الرياح